المقدمات
الجزء ١ · صفحة ٢١٥مسائل النية
215
الميعاد (1)، فَقَد سَألوه أن يُعطيهُم مَا وَعَدَهم معَ اعترافهِم بِأَنَّه لا يُخلِف الميعاد، فَهَذَا البابُ ومَا يَجْرِي مَجْرَاهِ تَعبَّدنا الله به، فالدعاء به عِبادَة يجري مجرى سائر التعبدات، وَالله أَعلَم.
وثَانِيهَا: قَولُهُ تَعَالَى: {فَمَنِ اضْطُرَ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمِ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (2) قالوا: فدلَّ قَولُهُ: {فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ على جواز
ضده من المؤاخذة في حالِ الضرورة.
وَأُجِيب: بأنَّ ذَلِكَ الاحتجاج غَير صحيح؛ لأَنَّهُ لَيسَ كُلُّ مغفرةٍ تَكُون عن ذَنبٍ، بَل قَد يُستعمَلُ لِغير ذَلِكَ، ومعناه تَرك المؤاخذة، قال تَعَالَى: وقُل لِلَّذِينَ ءَامَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللهِ} (3)، أَمْرَهم بتَركِ مُقابلتهم وَسَمَّى تَرك المقابلة غُفراناً، فَلَو سَلَّمنا بذَلِكَ فَالفرقُ بَيْنَ حالِ الضرورةِ وَعدَم الاستطاعة ظَاهِر، وذَلِكَ أنَّ الإنسان وإن اشتدَّ جُوعُه فَاضطر إلى أكل الميتة فهو يستطيعُ أَن يَصير فلا يَأكل، ويُمكن للإنسان أن يصبر على الجوع، ويُمكِنُه أن لا يَأكل / 59/ ولَو مَات جُوعاً، وَالله أَعلم.
وثَالِثهَا: قَولُهُ تَعَالَى: {وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ (4) قالوا: فأخبر الله تَعَالَى بأنَّا لا نستطيعُ العدلَ بَيْنَهُنَّ مَع الحرص على ذَلِكَ، ونَحن مأمورُونَ بالعدلِ بَيْنَهنَّ بلا خلاف، فَهو يُوجِب تكليف ما
لا يُطاق.
(1) سورة آل عمران، الآية: 194.
(2) سورة المائدة، الآية: 3. (3) سورة الجاثية، الآية: 14. (4) سورة النساء، الآية: 129.