المقدمات
الجزء ١ · صفحة ٢١٨218
معارج الأمال
أخْرُجُوا مِن دِيَرِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ} (1) قَالُوا: وَقَتَلُ النفسِ لَا يُستَطاع.
وَأُجِيب: بِأَنَّه لَو لَمْ يُستطع مَا فَعلَه قَليل مِنْهُمْ، وَالله أَعلم.
وسَابعُها: قَولُهُ تَعَالَى: {وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ القُمَ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ (2) فَوصفهم بِأَنَّهُمْ لا يَعقلُون، ومَن كَانَ كَذَلِكَ فَهُو غَير قادر، وقد كَلَّفَهم الاستماع، وذَلِكَ يُوجِبُ تكليف مَا لا يُطَاق.
وَأُجِيب: بِأَنَّه لَيسَ في الآيَة أَنَّهُمْ صمٌ وأَنَّهُمْ لَا يَعْقِلُونَ، وَإِنَّمَا فِيهَا
أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لا يُسمِع مَن كَانَ لا يَعقلُ فَلَا تَعلَّقِ لَهم في ذلك.
وثامنهَا: قَولُهُ تَعَالَى: {الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاء عَن ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (3) قَالُوا: فَبَيَّنَ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونوا يستطيعونَ السمع، وكَانُوا مُكلَّفين بذَلِكَ فَقَد صحَ أَنَّهُ يَجُوزُ تَكليف مَا لَا يُطَاق.
وَأُجِيب: بأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُمْ يَستَثقلُون مَا يَسْمَعُون والتفكر فيه فيعرضُون عنه، فَالآية ذمّ للكفَّارِ في عَدَم استماعِهم للقرآن وإبصارهم للحقِّ ولَيسَ المُرَادُ نَفي استطاعة الاستماع والإبصار، على أَنَّ ظاهر الآيةِ لا يَدُلُّ على نفي الاستطاعة على الاستماع والإبصارِ، وَإِنَّمَا يَدُلُّ على نَفي الاستطاعة على السمع والبصر، وهو مُسلَّم ولا دليل للخصم فيها؛ لأنَّ السمع والبصر من مقدورِ الله لَا مِن مَقدورنا، وَإِنَّمَا مِن قُدرَتِنا الاستماع
والإبصار، والله أعلم.
(1) سورة النساء، الآية: 66. (2) سورة يونس، الآية: 42. (3) سورة الكهف، الآية: 101.