معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

المقدمات

الجزء ١ · صفحة ٢١٩

مسائل النية

219

وَاعْلَمْ أَنَّ احتجاج الأشاعِرَة على جواز التكليف بما لا يُطاق بل

ه

على وقوعه راجع إلى إخبارِ الله تَعَالَى بِعَدَم وقوع الإيمانِ مِمَّن أَخبر عنه بِذَلِكَ، وإلَى عِلم الله تَعَالَى بَعْدَ وقوع ذَلِكَ مِنْهُمْ مَع تَكلِيفِهِ إِيَّاهُم بِالإِيمَانِ، وذَلِكَ لأَنَّهُمْ احتجوا بِقَولِهِ تَعَالَى: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ وَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا

يُؤْمِنُونَ، وقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾) وقوله: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَّمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَدتُّ لَم تَطْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * الله كلا إنه كَانَ لايَتِنَا عِيدًا سَأُرْهِقُه صَعُودًا (2)، وقوله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ب﴾ (3) ومَا أَشبَه ذَلِكَ على تَكلِيفِ مَا لا يُطَاق.

قال الفخرُ (4): وتَقريرُه أَنَّهُ تَعَالَى أَخبَر عَن شَخص مُعيَّن، وأَنَّه لا يُؤْمِن قط فَلو صَدَر مِنْهُ الإيمانُ لَزِم انقلابُ خَبَر الله تَعَالَى الصدق كذِباً، والكذب عند الخصم قبيح، وفِعلُ القبيح يَستلزمُ إِمَّا الجهل وَإِمَّا الحاجة وهُما مُحالَان على الله تَعَالَى، وَالمُفضي إلى المُحالِ مُحال، فَصدور الإيمان منه، مُحال، فالتكليف به تكليف بالمُحال.

وقَد يُذكَر هَذَا فِي صُورَة العِلم، وَهُوَ أَنَّه تَعَالَى لَمَّا عَلِمٍ مِنه أَنَّهُ لَا يُؤمِن فَكانَ صُدورُ الإيمانِ مِنه يَستلزم انقلاب عِلم الله / 61 / تَعَالَى جَهلاً وذَلِكَ مُحال، ومُستلزمُ المحالِ مُحَال، فالأَمْرُ واقع بالمُحالِ.

قالَ: ونَذكُر هَذَا على وجه ثالث، وَهُوَ أنَّ وجودَ الإيمانِ يَستحيل أن

(1) سورة يس، الآية: 7.

(2) سورة المدثر، الآيات: 11 - 17.

(3) سورة المسد، الآية: 1.

(4) انظر هَذَا الكلام كُلّه في: الرازي: التفسير الكبير، مج:

12، 47/ 24 - 48