المقدمات
الجزء ١ · صفحة ٢٢٠220
معارج الآمال
يُوجَد مع العِلم بِعَدَم الإيمانِ؛ لأَنَّهُ إِنَّمَا يَكُونُ عِلماً لو كانَ مُطابقاً لِلمَعلُوم، والعِلم بِعَدَم الإيمانِ إِنَّمَا يَكُونُ مُطابقاً لو حصل عدم الإيمان، فلَو وُجِد الإيمان مع العِلم بِعَدَم الإيمانِ لَزم أن يجتمع في الإيمانِ گونه موجوداً ومعدوماً معاً وَهُوَ مُحال؛ فالأَمْرُ بالإيمان مع وجود عِلم الله تَعَالَى بِعَدَم الإيمان أمر بالجَمع بَيْنَ الضدَّين بَل أَمْر بالجَمعِ بَيْنَ العدمِ والوجودِ، وكلُّ ذَلِكَ مُحَال.
قَالَ: ونَذكُر هَذَا على وَجهِ رَابع، وَهُوَ أَنَّهُ تَعَالَى كَلَّفَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَخبَر عَنهم بأَنَّهُمْ لا يُؤمنون بالإيمانِ البيَّة، والإيمانُ يُعتبَر فِيه تصديقُ الله تَعَالَى فِي كُلِّ مَا أَخبرَ عَنه، وَمِمَّا أَخبَر عَنه أَنَّهُمْ لَا يُؤمنون قطُّ، فَقَد صاروا مُكلَّفين بأن يُؤْمِنُوا بِأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنونَ قَط، وهَذَا تَكلِيفُ بالجَمع بَيْنَ النفي
والإثبات.
قَالَ: ونَدْكُر على هَذَا وجهاً خامساً، وَهُوَ أَنَّهُ تَعَالَى عَابَ الكفَّارَ على أَنَّهُمْ حَاوِلُوا فِعل شَيْءٍ على خلافِ مَا أَخبر الله عَنه في قَولِهِ: و يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ (1)، فثبت أنَّ القصد إلى تكوين ما أخبر الله تَعَالَى عَن عدم تكوينه قصد لتبديل الله تَعَالَى، وذَلِكَ مَنهيٌّ عَنه، ثُمَّ هَا هنا أخبرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنهُم بِأَنَّهُمْ لَا يُؤمنُونَ البتة، فمحاولة الإيمان مِنْهُمْ تَكُون قصداً إلى تبديل كلام الله، وذَلِكَ مَنهِيٌّ عَنه، وترك مُحاولة الإيمانِ يَكُونُ أَيْضاً مُخالَفَة لَأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، فيَكُونُ الذمُّ حَاصِلاً على التركِ والفعل. قَالَ: فَهذه هي الوجوه المذكورة قَالَ: وهَذَا هُو الكَلَام الهادِم لأصول الاعتزال.
کلام
في
هَذَا المَوضِع،
(1) سورة الفتح، الآية: 15.