المقدمات
الجزء ١ · صفحة ٢٢٥مسائل النية
225
وَأُجِيب بأنَّا إِنَّمَا نَمنَع مِن تَكلِيفِ الحيوانات الغير العُقلاء مع
:
/ 64 / إزالة العَقْلِ عَنهم، وإعدام الفهم مِنْهُمْ؛ لأَنَّ تَكلِيفَ غَير العاقل الفاهم للمطلوب منه مُحال، وهدهد سليمان قيل: إِنَّه كان عاقلاً مُكلَّفاً من بين سائر الحيوانات، وأنَّ ذَلِكَ كانَ مُعجزة السليمان، ولذَلِكَ قالَ: مَالِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ فَعَرَّفَه بالألف واللام، ولَم يَقُل: «ما لي لا أرى هدهداً»، ولم يذهب إلى الجنسِ عامة، وسبيله سَبيل غُراب نوح، وحمار عُزير، وذئب أهبان بن أوس (1)، كانَ الله فِيه تدبير ليجعَلَ هَذَا أجمع آية لأنبيائه، وَهُوَ نَحو تكلُّم عيسى في المهدِ، ونُطق يَحيَى صَبيّاً
بالحكم.
وَقَالَ أبو عَلِيّ (2) من المُعتَزِلَة: إِنَّ الهدهد كان بمنزلة المراهق الذي يُقاربُ حالَ العاقل، فَجازَ ذَلِكَ منه على جهة التأديب، كما يصح من أحدِنَا تأديب المراهق فيما يعصي فيه أباه وسيده، وقد يُسَمَّى التأديبُ تعذيباً مَجازاً. وقيل: إِنَّ سُليمان لَمْ يُرِد وَعِيدَ الهدهدِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ غَيره. وقيل: إِنَّه لَمْ يُرِد وَعِيدَه، وَإِنَّمَا أرادَ تَعذيبه بنتف ريشه. وقيل: حَبسه عَن الطيران بقص وغَيره حَيْثُ إِنَّهُ فَارقَه من غَير أَمْرِه، وهَذَا جَائز في الطيور فسمي عذاباً، وقد تُضرَب الدوابُ والكلابُ للتَّعْلِيم والحثّ
6
(1) أهبان بن أوس الأسلمي أبو عقبة صحابي. قيل: أتاه الذئب في غنمه فكلمه فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم. صلى إلى القبلتين، وبايع تحت الشجرة. روى عن النَّبي. وروي عنه: مجزأة بن زاهر الأسلمي. توفي بالكوفة في ولاية المغيرة بن شعبة أيام معاوية. انظر: ابن حبان: الثقات، تر 56، 17/ 3. المزي: تهذيب الكمال، تر 572، 384/ 3.
(2) محمد بن عبد الوهاب بن سلام الجُبَّائِي، أبو علي (235 - 303 هـ): مفسر متكلم، من أئمة المعتزلة، نسبته إلى جبّى من قرى البصرة. له تفسير مطول، ومقالات وآراء انفرد بها
في المذهب. انظر: الزركلي: الأعلام، 256/ 6.