المقدمات
الجزء ١ · صفحة ٢٥٩مسائل النية
259
وقد أجراه الله على لسانِه حَتَّى قِيلَ: إنَّه تقومُ الحُجَّة من لسان طائر». وَكَذَا إِذَا رَآهُ مَكتوباً في حائط فَفهم معناه، أو رآه في المنام فَعرَف وجه ذَلِكَ؛ لأَنَّ الحَقَّ إِنَّمَا يَكُونُ حجَّة بنفسه فيَجِبُ على المُكَلَّف به قبوله. وقيل: إِنَّ الحُجَّةَ في العباداتِ المؤقتة لا تقومُ إِلَّا مِن ثِقَة، فَلَا تَقُومُ الحُجَّةِ بعِبَارَة المشركِ والفاسق، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَتأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِن جَاءَكُم فَاسِقُ بِنَبَاءٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَلَ (1) قَالُوا: فَالأَمْرُ بالتبين معَ خَبَر الفاسق دليل على أَنَّهُ لا يَكُون حجّة.
وهَذَا الخلاف لا يتناولُ الأُمُورَ التي أوَجَبَ اللَّهِ اعْتِقَادِهَا؛ لأَنَّهُمْ إِنَّمَا اختَلَفُوا فِي غَير ذَلِكَ، وَالله أَعلَم.
وَأَمَّا النَّوعُ الثَّانِي: وَهُوَ ما لَمْ يَجب على المُكَلَّفَ فِعله وَلَا لَزِمه
علمه، فإنَّ:
الحُجَّةَ لا تَقُومُ / 83/ فِيه إِلَّا بقولِ عَالِم قَد اشتهرَ فَضْلُه، وانتشر في الناس عِلمُه وعَدلُه، ونَزلَ فِيهم منزلة الهادِي لِقومِه، فإذا سَمِع شَيْئاً مِمَّا وَسِعَه جَهْلُه من لسانِ هَذَا العَالِم المشهورِ بالفَضْلِ والعدالةِ وَجَبَ عَلَيْهِ قبولُ ذَلِكَ مِنه، وكانَ حَجَّة عَلَيْهِ فِيمَا يَسَعُه جَهْلُهُ مِن جَمِيعِ الْأَحْكَامِ التي تلزم الخواص والعوام، وبِهَذَا يَصيرُ العَالِم عَالِماً.
وفي قول ثان: إِنَّ الحُجَّة فيما يَسَعُ جَهْلُه لا تَقُومُ بقولِ الواحدِ وَإن كان على الوصف المذكور، بل لا بُدَّ وأن يَكُونُوا اثنين، ولعلَّ هَؤُلَاء جَعَلُوا الحُجَّةَ فيما يَسَعُ جَهْلُه كالحُجَّةِ في الحقوقِ، فَإِنَّهَا لا تَقُومُ إِلَّا بشهادةِ
(1) سورة الحجرات، الآية: 6.