المقدمات
الجزء ١ · صفحة ٢٦٥مسائل النية
265
وذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: أَنَّهُ لو لم يكن العقل حاكماً بمعرفة الله لتوقفت معرفة
الله على معرفة رسله وتوقفت معرفة الرسل على معرفة الله. وَجَوَابُه: ما مرَّ، وَهُوَ أَنَّا نُفَرِّق بَيْنَ الحكم والمَعرِفَةِ، فَمَعْرِفَة الله الله حاصلة بالعقول، والحكم بِوُجُوبِها ثابت بِطَرِيق / 86/ الشَّرْع فَلَا دَور، وثَبَت بِهَذَا التحقيقِ الحَقِّ الذِي غَلب العقولَ بَيَانُه فَلَا يُمكِّن المعارض
دفعه، والله أعلم.
وَفي المَقَام مسائل:
المسألة الأولى
أهل العَقْلَ حَاكِم في الأَشيَاء كُلّها؟]
ذهبت المُعتَزِلَة خلافاً للأمة إلى أنَّ العَقْلَ هو الحَاكِمُ فِي الأَشيَاء كُلِّها، وأنَّ الشَّرْع إِمَّا مُؤكِّد لحكم العَقْل، وَإِمَّا مُبَيِّن لِمَا خَفِي عَلى العَقْلِ بَيَانه، وجَعَلُوا الشَّرْع كالطبيب الذي يصف طبائع العقاقير، فإنَّ طبائع العقاقير موجودة فيها ولَو لَمْ يُبَيِّنها الطبيبُ، لَكِنَّها تخفى على أكثر الناس، فكذَلِكَ الشَّرْع في بَيَان ما خَفي على العَقْلِ حُكمُه.
قَالُوا: فمَا يُدرك جِهَة حُسنِه أَو قُبحه بالعَقْلِ مِن الأَفعَالِ التي لَيسَت اضطرارية ينقسم إلى الأَقْسَام الخَمْسَة؛ لأنَّه إن اشتمل تَركُه على مفسدة فواجب، أو فعله فَحرام، وَإِلَّا فإن اشتمل على مصلحة فَمندوب، أو تركه فمَكروه، وَإِلَّا فإن لَمْ يَشتمل شَيء من طرفيه على مفسدة ولا مصلحة
فمباح.
قَالُوا: وما لَا يُدرك جهته بالعَقْل لا في حُسنِه ولا في قُبحه، فلا