المقدمات
الجزء ١ · صفحة ٢٦٦266
معارج الآمال
يُحكمُ فِيه قَبْلَ الشَّرْعِ بحكم خاص تفصيلي في فعل إذ لَمْ يعرف فِيه جِهَة
تقتضيه.
وَهَذَا كُلُّه باطل؛ لأَنَّا لَو نظرنا قَبْلَ مَجِيء الشَّرْعِ فِي شُكرِه تَعَالَى على إنعامه علينا لكانَ العَقْل يَقتَضِي عِندَهم أَنَّ شُكرَه تَعَالَى وَاجِبٍ مِن غَير أن يتوقف في ذَلِكَ على مجيء الشَّرْع؛ لأَنَّ مَعرِفَتِهِ تَعَالَى وَمَعْرِفَةٌ كَونه مُنعِماً يُدركُهُمَا العَقْل بدونِ الشَّرْعِ، وَكَذَا يُدركُ بدونِه حسنَ شُكر المنعم وقبح كفرانِه فُيدرك إذا وُجُوب الشكرِ وتَحريم الكفرانِ بدون الشَّرْع. فيُقَالُ لَهم: هَذَا الشكرُ لو وَجَبَ قَبْلَ الشَّرْع لكانَ له فَائِدَة فِيه، أم لا فَائِدَة، فإن كانَ لا فَائِدَة فِيه فلَيسَ بحسن، وإن كانَ لَه فَائِدَة فَلا تَحْلُوا إِمَّا أن تَكُون عائدَة إلى الربِّ المشكورِ وَهُوَ عْنِي فَالقَوْل بعودها إِلَيْهِ باطِل. وَإِمَّا أَن تَكُون عَائدة إلى العبد الشاكر، وعودها إِلَيْهِ إِمَّا عاجلاً أو آجلاً والكلُّ باطل. أَمَّا عَودها إِلَيْهِ عاجلاً فغير ثابت؛ لأَنَّهُ تَعب. وَأَمَّا عودها إِلَيْهِ آجلاً فأَمْرٌ لا يُدرك بالعقل، وَإِنَّمَا أُدرك من جِهَةِ الشَّرْعِ خَاصَّة، فبطل ما زَعمُوه من ثُبوت الحكم الشَّرْعي بالعَقْل، واتَّضِحَ أَنَّ الحَاكِم بذَلِكَ هو الشَّرْعُ، وأنَّ العَقْل حُجَّة فِيما جَعَلَه الشَّرْع حُجَّةٌ فِيهِ لَا زيادَة، والله
أعلم.
المسألة الثانية
[في قول المعتزلة إنَّ الحسن والقبح عقليان]
اعْلَمْ أَنَّ مَذهب المُعتَزِلَة في القَوْل بتحكيمِ العَقْل مبني على أَنَّ الحسن والقبح عقليَّان، ولَا بَأس أن نبَيِّنَ وَجهِ ذَلِكَ وتُبطل ما زَعموه من
ذلك.