المقدمات
الجزء ١ · صفحة ٢٧٠270
معارج الآمال
ثُمَّ اخْتَلَفُوا: فذهبت مُعتزلة بغداد إِلَى: أَنَّهُ يَجِبُ على اللَّهِ مُرَاعَاة
الصلاح والأصلح لعباده في الدين والدنيا.
وذهبت معتزلة البصرة إلى: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَعَالَى مُرَاعَاةِ الصلاحِ
والأصلح لهم في الدين فقط.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا أَيْضاً في المُرَاد بالأَصْلح:
فعند البغدادية: الأوفق في الحكمَةِ والتدبير. وعند البصرية: الأَنفَع. واحتجوا عَلَى إثباتِ ذَلِكَ بِظَوَاهِر الآياتِ الدالة على الوُجُوب، كما في قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا (1)، وقَولُهُ تَعَالَى: وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (2) إِلَى غَير ذَلِكَ.
قُلْنَا: لَيسَ المُرَادُ من ظاهرِ الآيات الوُجُوبِ الذِي ذَكَرتُموهِ، وَإِنَّمَا المراد به ثبوت ذَلِكَ في حكمتِه تَعَالَى كثبوت الوَاجِبِ.
وبَيَان ذَلِكَ: أَنَّهُ الله قد ضَمِن للخلقِ رِزقهم، وضمانته الله لا يصح أن تختلف لصدق وعده واستحالة الاختلاف عَلَيهِ، فكان واجباً في حقه تَعَالَى؛ أي: ثابتاً في حكمته لا يَجُوزُ اختِلافُه، ولَيسَ الوُجُوبُ في جَمِيع ذَلِكَ بِمَعْنَى إلزام الله لعباده تِلْكَ الحقوق، تَعَالَى الله عَمَّا يَقُولُ المبطلونَ عُلوّاً كبيراً، هَذَا هو المُرَاد من تِلْكَ الآيات.
وجهان
وَأَمَّا بطلان مذهبهم من أصله فظاهر، ولنا على إبطاله / 89/
(1) سورة هود، الآية: 6.
(2) سورة الروم، الآية: 47.