المقدمات
الجزء ١ · صفحة ٢٧٢272
معارج الآمال
للعبادة على الله تَعَالَى: ما تَقولُ في ثَلَاثة إخوة ماتَ أَحدُهم قَبْلَ البُلُوغ، والآخَر بَعْده كافراً، والآخر بَعْدِه أَيْضاً مُؤمناً؟
فقالَ الجُبَّائِي: أَمَّا الصغيرُ ففي الجَنَّةَ، وَأَمَّا الكبير ففي النار، وَأَمَّا
الكبير المؤمن ففي الدرجاتِ العُلى.
فقالَ لَه الأَشْعَري: ما بَال الصغير قصر به عن درجة الكبير المؤمن؟
فقال الجُبَّائِي: لأَنَّهُ لَمْ يَعمل قدر عمله.
فقال له الأَشْعَرِي: فإن احتجَّ وَقَالَ: يا رَبِّ. كَانَ الأَصْلِحُ في حقي أن تُبقِني حَتَّى أَصِلَ بالعَمَل الدرجة العُليا؟
فقالَ الجُبَّائِي: جوابه أن يَقُولَ له مولانا: قد عَلِمت أَنِّي لَو أبقيتُك إلى سن التَّكليفِ لَكفّرت، فتخلد في النار؛ فالأصلح في حقك أن تموت صغيراً كما فعلت بك لسلامتك من النارِ التي هي أعظم غنيمة، فكيفَ وقَد زدت على ذَلِكَ مِمَّا لا يُكَيَّف من نعيم الجَنَّة.
فقالَ لَه الأَشْعَرِي: فإذاً يَقوم الذي مات كافراً، بل وكلُّ كافر من دَركَات لظى فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، نَرضَى منك بأدنَى مَرتبة هَذَا الصَّبِيِّ، فما بَالُنا لَمْ تُمِتنا صغاراً قَبْلَ التَّكليف، وقد عَلِمت منَّا الكفر بَعْده كما فعلت بِهَذَا
الصبي؟ فَبُهِت الجُبَّائِي وَلَم يَقدِر أن يُجيب بكلمة؛ فقال له الأَشْعَري: عند ذَلِكَ: وقفَ حِمار الشيخ في العقبة، وترك مذهب الجُبَّائِي، واشتغل هو ومن تبعه بإبطاله وإثباتِ مَا ذهب إِلَيْهِ بَعْد، والله أعلم. / 90/