المقدمات
الجزء ١ · صفحة ٢٧٣مسائل النية
273
المسألة الرابعة
[في قول المُعتَزِلَة بوُجُوب اللطف على الله]
ذهبت المُعتَزِلَة أَيْضاً بناءً على قولهم بتحكيمِ العَقْل إلى وُجُوبِ اللطف على الله تَعَالَى، وَهُوَ خَلق الشَّيْء الذي يُوجِبُ للمكلَّف تَرجِيح جانب الطاعة من غير أن ينتهي إلى حد الإلجاء، وأَوْجَبوا كمال عقل من يريد تكليفه وإقداره، وإزاحة العلل التي تمنعه مِن أداءِ مَا كلّف بِه عَنه، حَتَّى إِنَّهُ لو أخلَّ بِذَلِكَ لَكَانَتْ للعبدِ خُصومته ومطالبته بِحَقِّهِ، تَعَالَى رَبُّنا عَن ذَلِكَ علوّاً كبيراً، ولقد صدق فيهم قوله: «القَدَرِيَّة خُصَمَاءُ اللَّهُ فِي القَدَرِ» (1).
وَاعْلَمْ أَنَّ القَوْل بالوُجُوب على الله تَعَالَى باطل؛ لأَنَّ من لوازم الوُجُوب استحقاق الدم عند التركِ، وإمكان استحقاقِ الذم فِي حَقِّهِ تَعَالَى باطل؛ لأَنَّهُ لَو أمكن أن يَكُونَ مُستحقاً للذم لبطلت صفة الإلهيَّة، ولا يَكُون إِلَها مَن يُمكن استحقاق ذمّه.
فإِن قَالُوا: إِنَّ ترك ذَلِكَ الوَاجِب غَير مُمكن في حقه بَل وَاجب عقلاً
أن يفعله.
لَزِمَهُم على ذَلِكَ أن يَكُون مُوجِباً بالذَّاتِ لا فَاعلاً بالاختيار،
وَهَذَا باطل قطعاً؛ فَبطل القَوْل بالوُجُوب مُطلقاً.
احتجَّت المُعتَزِلَة: على قَولِهم بوُجُوب اللطفِ بِقَولِهِ تَعَالَى: {وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ
(1) رواه عمرو بن أبي عاصم: السُنَّة، عن عمر بن الخطاب بمعناه، ر 336، 148/ 1. وأخرجه عبد الرحمن الرازي: علل ابن أبي حاتم، عن ابن عمر بمعناه، ر 2810، 2/ 435.