الجزء الثامن
الجزء ٩ · صفحة ٥٨58
معارج الآمال - الجزء الثامن
قالوا: فإن كان اسم الوصال إنَّما يصدق على إمساك جميع الليل فلا معارضة بين الأحاديث. وإن كان يصدق على أعم من ذلك فيُبْنَى العام على الخاص، ويكون المحرَّم ما زاد على الإمساك إلى ذلك الوقت. وَالجَوَاب: لا نزاع في أنَّ تأخير الأكل إلى وقت السحر غير حرام،
وإنما النزاع في مواصلة الصَّوْم بالصَّوْم.
نعم، نقول: إن تأخير الإفطار إلى السحور مكروه لخلاف السنة في تعجيل الإفطار، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «لَا تُوَاصِلُوا فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلَيَتَوَاصَل
حَتَّى السَّحَر».
فإِنَّه يَدُلُّ على أنَّ التأخير رخصة، وأنَّ الجادة غيره، فكأَنَّه / 52 / قال: «من أبى منكم إِلَّا الوصال فليواصل إلى السحر» ترخيص منه لمن رأى من نفسه قوّة وأحبّ، الوصال فالكراهية ترشح من خلاله. المشقة وَأَمَّا القائلون بجوازه عند عدم فعندهم أن الأكل والشرب
مباح، وأَنَّهُ لا حرج في ترك المباح وفعله، وإنَّما يتعيَّن الفعل أو الترك لعارض آخر كخوف المشقة ووقوع الضرر.
قالوا: وقد ثبت عنه الله أَنَّهُ واصل بأصحابه لَمَّا أبوا أن ينتهوا عن
الوصال، «فواصل بهم يَوماً ثُمَّ يوماً ثُمَّ رأوا الهلال، فقال: «لَوْ تَأَخَّرَ
((
لَزِدْتُكُم كالتنكيل لهم حين أبوا أن ينتهوا» (1).
قالوا: وإقدام الصحابة على الوصال بعد النهي يَدُلُّ على أَنَّهُ فهموا
أنَّ النهي للتنزيه لا للتحريم.
(1) رواه البخاري عن أبي هريرة بلفظه باب التنكيل لمن أكثر الوصال، ر 1864، 6459، 2/ 694. والدارمي في سننه مثله، ر 1706، 15/ 2.