الجزء الأول
الجزء ٢ · صفحة ١٣٤الأُمَّة مِن
معارج الآمال - الجزء الأول
والاستنشاق إذ لا ينبغي لطالب الرشد أن يعدل عن رُشده، ولا يحسن لطالب الفضل أن يقتصر عن الأحوال التي واظبَ عَلَيْهَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ووَاظب عَلَيْهَا جَمِيع من بعده، فإنَّ القائلين بعدم وجوبهما يعترفون بأنَّ الفضل في فعلهما، وَإِنَّمَا قالوا بذَلِكَ ليُبيِّنوا للناس ما يلزمهم من أحكام الله تَعَالَى، وما لا يلزمهم من ذَلِكَ، حَتَّى لا يَعتقد الجاهل غَيْر لازماً فيخطئ على تركه غَيْره فيهلك بذَلِكَ؛ لأَنَّ مَن ألزم الناسَ مَا
اللازم لا يلزمهم من دين الله تَعَالَى فهو في حُكم من حطَّ عَنهم ما يلزمهم. ولَا يَشكلُ عَليك اختِلاف العُلَمَاء في مِثل هَذَا المَقَامِ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا قال بالوُجُوبِ مِنهم من قال لأمارَة رَجَحت عِندَه، دالة على وُجُوبِ ذَلِكَ لَا عَن قطع ويقين، فهو مع ذَلِكَ يُصوِّب مَن خالفه في مسألته، ويرى اللازم لازماً عَلَيْهِ وعَلى مَن رَأَى في ذَلِكَ مِثل ما رَأَى، وذَلِكَ هُو حُكم الله تَعَالَى فِي مَسَائِل الفروع التي لم ينزل فيها قُرآناً مُحكَماً، ولا حكم فيها بحكم على لِسان نبيه - عَلَيهِ الصَّلاة والسلام -، فَإِنَّهُ لو كَانَ حُكمه غَيْرِ ذَلِكَ لَنصِبَ لَنَا الأدلة القاطعة عَلَيهِ إذ لا يَصحُ أن يُكلِّفنا بشَيء لَم يُبيِّنه لنا، وَالله أَعلم.
الفرع الثاني: في حُكم مَن تَرك المَضمَضَة والاستنشاق حَتَّى صَلَّى قالَ الشيخ إِسْمَاعِيل - رحمة الله عَلَيهِ -: ومَن ترك المَضمَضَة والاستنشاق حَتَّى صلَّى فإن كَانَ عَامداً فلا خِلَاف في إِعَادَةِ الوُضُوءِ والصَّلَاة، وإن كَانَ ناسياً ففيه اختلاف:
قال في أثر أَصحَابَنَا عَن ابن عَبَّاس مَا أَنَّهُ قَالَ: مَن تركهما في
الوُضُوء فَلَا إِعَادَة عَلَيهِ، وَأَمَّا فِي الجَنَابَة فعَلَيهِ الإِعَادَة وَالله أَعلم. قُلتُ: وظَاهِر كَلَامِ ابن عَبَّاس ما يقتضي أنَّ من تركهما في الوُضُوء