الجزء الأول
الجزء ٢ · صفحة ٥٩٤594
معارج الآمال - الجزء الأول
وذَلِكَ أَنَّهُم عللوا فساد النبيذ بفساد النيَّة، حَتَّى قال الشيخ أبو سعيد: لَمْ نَجد فيه نَجَاسَة أفسدته من ذوات النجاسات المائعة فيه إلا ما عارضه من النية الفاسدة.
حُجَّتهم على ذَلِكَ: قَوْله تَعَالَى: {وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَبِ نَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا (1)، فظاهر الآية أن تلك الثمَرَات تتحوّل بنفس الاتِّخاذ إلى سكر وإلى رزق حسن، والاتِّخاذ لا يُميزه إِلَّا القصد؛ إذ لا
صبي
لقصد
فرق بين اتخاذ السكر والرزق الحَسَن إِلَّا باختلاف النية فساداً وصلاحاً. ومن تفريعهم على هذه القاعدة: أَنَّهُ متى ما عمل النبيذ على قصد السكر فهو عندهم فاسد نجس أسكر أو لَمْ يسكر، إذ ليس علة الفساد عندهم نفس السكر، وَإِنَّمَا هي نفس القصد؛ فلو عمله الإسكار، قالوا: لَمْ يفسد ذَلِكَ إذ لا نيَّة للصبي، ولو عمله رجلان هما فيه شريكان: ونيَّة أحدهما أَنَّهُ خَمر ونيَّة الآخر خلّ، قال الشيخ أبو سعيد: يَخرج عِنْدِي أن نيَّة الفساد لا تضرُّ الصلاح، ولا يكون ذَلِكَ مُحرَّماً على من لَمْ يردُّه، وَأَمَّا الآخر فآئِم بنيَّته ولا يبعد أن تكون حصته حراما أن لو انفصلت، وَأَمَّا الآن وقد امتزجت الحصَّتان فلا تحرم عَلَيْهِ حَصَّته؛ لأَنَّه لا
يستقيم أن يكون متمازجاً بعضه رجس وبعضه طاهر من طريق النية.
وجعل بعض المتأخرين الخلاف في تحليل الخلّ بعد زوال شدة السكر عنه / 384/ متفرعاً عن الخِلاف الجَارِي في نَجَاسَة الخمر، وذَلِكَ أَنَّهُم اختَلَفُوا فيها إذا عُولجت حَتَّى صارت خلاً: فَقالَ بَعضُهم: إِنَّهَا
حلال.
(1) سورة النحل، الآية: 67.