الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٣١الباب الخامس: الجوانب الدولية للمسائل الجنائية عند الإباضية
131
ومما يؤيد ما قلناه ما حدث حينما دفع خالد بن الوليد ـ وكان أميرًا للجيش ـ إلى كل مسلم أسيره وطلب منه أن يقتله. ففعل بعض المسلمين ذلك، وحينما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك الواقعة، قال: «اللَّهُمَّ إني أبرأ إليك مما صنع خالد. ولا شك أن ذلك دليل على أمرين:
الأول: عدم جواز تنفيذ أمر القائد إذا كان يشكل مخالفة واضحة لقواعد القانون الدولي الإنساني.
الثاني: إعطاء المثل لأي قائد آخر قد يرتكب مثل ما ارتكبه خالد بأن فعله لن يحظى بموافقة حاكم الدولة الإسلامية، ومن ثم فإنه لن يقدم على ذلك أبدا، لذلك قيل إن قوله صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ إني أبرأ إليك مما
خالد» صنع»: «لينزجر غير خالد بعد ذلك عن مثل فعله»، وقد بحث البخاري هذه المسألة تحت باب إذا قضى الحاكم بجور أو خلاف أهل العلم فهو رد).
وهكذا لا يجوز ـ وفقًا للسُّنَّة النبوية المشرفة ـ تنفيذ أمر القائد الذي ينطوي على انتهاك لحقوق الإنسان وقت الحرب. وقد سبق لنا القول إنه إذا تم تنفيذ تلك الأوامر، فإنه يجب تعويض المجني عليهم أو ذويهم، كما فعل النبي حينما أرسل علي بن أبي طالب ليدي أهل الضحايا الذين قتلهم خالد بن الوليد. وهو أمر غير مطبق في القانون الدولي المعاصر، حيث لا يتم تعويض من يقتل أثناء الحرب بطريقة غير مشروعة أو لا تتفق
كذلك في تفسيره لقوله تعالى: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا [النساء: 94]. يقول الطبري: أي فتأنوا في قتل من أشكل عليكم أمره … ولا تعجلوا فتقتلوا من التبس عليكم أمره، ولا تتقدموا على قتل أحد إلا على قتل من علمتموه يقينًا حربًا لكم» (الإمام الطبري: جامع البيان عن تأويل آي القرآن دار الفکر، ج 5، ص 221). (1) فتح الباري بشرح البخاري، دار الفكر بيروت 1414 هـ ـ 1993 م، ج 15،
ص 89 - 91.