الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٤٥الباب الأول: المبادئ العامة للتجريم والعقاب في الفقه الإباضي
145
والمعنى: إذا بصرنا بالطعن نضع أرماحنا حيث نشاء، وقوله: يشيط على أرماحنا البطل أي: يذهب دمه هدرًا فلا يقدر علينا في طلب ثأره لعزنا ومنعتنا (1).
والقاعدة في الإسلام ألا يهدر دم إنسان - مسلما كان أو غير مسلم (2) ـ فلا يطل دم فيه (3).
(1) العوتبي: كتاب الضياء، ج 15، ص 134؛ النزوي: المصنف، ج 41، ص 121 - 125 (باب ما قيل في القتيل إذا لم يؤخذ به قود ولا دية).
(2) بالنسبة لغير المسلم راجع ما قلناه عند دراستنا للقانون الجنائي الدولي (انظر لاحقًا). (3) يقول الشيخ أبو زهرة: «ولا يوجد في الفقه الإسلامي أن جناية قتل تقيد ضد مجهول، ويذهب الدم هدرًا، ويسكت القوامون على الحسبة، كأن لم يكن إنسان له حق الحياة قد ذهب، وكان له على المجتمع حق الحماية، وعلى الجماعة حق الرعاية، لم يكن في الإسلام ذلك، فإن على القاضي والعاملين على الحسبة الإسلامية كالنيابة في هذه الأيام أن يتحروا، وينقبوا أو يبحثوا حتى يصلوا، وإنهم لا بد واصلون. فإن عجزوا كانت القسامة، وهي أن يحلف خسمون رجلا من أهل القرية التي حصل حولها أو في داخلها القتل على أنهم لا يعرفون له قاتلًا، فيحلف كل واحد أنه ما قتله، ولا يعرف له قاتلًا.
وإنه لا بد في هذه الأيمان المغلظة أن يوجد من يعرف القاتل فإنه لا يحدث قتل في قرية إلا إذا كان القاتل معلومًا لأكثر أهلها، ولكنهم يمتنعون عن التقدم للشهادة إما إيثارًا للعافية وإما خوفًا من الجاني أو عصابته، وفي هذه الأيمان الإجبارية حمل لهم على النطق إن كانوا يعلمون ولا يريدون أن ينطقوا.
قضاة
فإن حلف الخمسون كان لابد من الدية حتى يشفي غيظ المكلومين. وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على حرمة دم الإنسان سواء أكان مسلما أم كان غير مسلم، فإن ذلك يكون بالنسبة للمسلم والذمي على سواء، فلا يوجد من بين لا المسلمين من يهتم بدم مسفوك ظلمًا، ولا ينظر إلا إلى مقدار الأدلة المقدمة لديه، أهي مثبتة الإدانة قطعًا، أم لا، فإن كانت الأولى فالحكم، وإلا فليذهب الدم المسفوك بين أهله، وليأكل الناس بعضهم بعضا، ذلك هو منطق القوانين الجنائية الحاضرة، أما منطق الإسلام فلا» الشيخ محمد أبو زهرة: الجريمة، دار الفكر العربي، القاهرة، ص 21.