الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٦٣=
الباب الأول: المبادئ العامة للتجريم والعقاب في الفقه الإباضي
163
التطبيق عليها وبالتالي - حتى في هذه الحالة - فإن الالتزام بمبدأ الشرعية أمر واجب المراعاة.
وإن كنا نرى أنه حتى في هذه الحالة فإن الشريعة الإسلامية في معناها ومبناها، وفي حرفية نصوصها وروحها، وفي مختلف مصادرها ومواردها لا يتعارض معها أن يتم تقنين الجريمة التعزيرية أولًا ووضع قواعد التجريم والعقاب الخاصة بها، وعدم ترك ذلك للقاضي ابتداء. فإذا حدث فعل لا يوجد بصدده نص، فإنه لن يضر الشريعة الإسلامية ألا يعاقب أول شخص استحدث الجريمة، إذ في هذه الحالة - نظرًا لعدم وجود نص صريح بخصوصها - سيثور الشك والشبهة حول توقيع العقاب عليها، تطبيقا لمبدأ: ادرؤوا الحدود بالشبهات». ومن ثم يجب فورًا على ولي الأمر (السلطات المختصة) تقنين الجريمة والعقوبة لتواجه أي مجرم محتمل آخر. وبذلك لن تخرج الشريعة الإسلامية على مقتضيات مبدأها الثابت «ألّا جريمة ولا عقوبة إلا بنص (1).
(1) يقول المرحوم الشيخ أبو زهرة: إن القول بأن لا عقوبة بغير نص في التعزيرات يوضحه أمران:
«أحدهما: ما ذكرناه من أن العقوبات المقدرة جعلت أساسًا لتبنى عليه العقوبات غير المقدرة، فإن الشارع الإسلامي قد جعل عقوبات مقدرة في كل نوع من أنواع الاعتداء على المصالح الإنسانية المعتبرة، فجعل عقوبة القذف، وفيها إشارة إلى نوع العقاب في كل أنواع السب وخدش الناموس العام، وجعل عقوبة في الاعتداء على النسل بعقوبة الزنى، وفي ذلك إشارة إلى ما يتبع في كل أنواع الجرائم المتصلة بهذا النوع، وجعل عقوبة في الاعتداء على الأمن العام بعقوبة قطاع الطرق، وفيه إشارة إلى ما تعالج الجرائم التي تكون من هذا النوع وبهذا يتبين أن العقوبات التعزيرية لم تترك فرطًا، وإن تركها لتقدير القاضي أو ولي الأمر، مع قيام أسباب القياس لا يعد
ترگا
الأمر الثاني: الذي يوضح أن الشارع الإسلامي عندما ترك العقوبات التعزيرية من غير تقدير، وفوض ذلك للقاضي في أكثر الأحوال ـ ما خرج عن قاعدة لا عقوبة من غير نص