الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٨٧الباب الأول: المبادئ العامة للتجريم والعقاب في الفقه الإباضي
1 ـ مدى حصانة الإمام في الفقه الإسلامي:
187
ثارت هذه المسألة - خصوصا - بالنسبة لما يسميه أبو حنيفة «الإمام الأعظم الذي ليس فوقه إمام» (وهو يقصد ـ على ما يبدو ـ أعلى رأس في الدولة الإسلامية: أي: الرئيس الأعلى لها، والذي يعبر عنه في النظم القانونية اللاتينية بأنه الشخص الذي له حق تمثيل الدولة في جميع
(«Jus representationis omnimado
المجالات
- إذ يرى أبو حنيفة أن الإمام الأعظم إذا ارتكب جريمة من جرائم الحدود فلا يطبق عليه العقاب، بعكس جرائم القصاص والدية). وأساس
عوقبتُم بِهِ} [النحل: 126] وهو قول ينطبق على العقوبة ليس فقط من حيث نوعها أو ماهيتها، وإنما أيضًا ـ في رأينا - من حيث كيفيتها وطريقتها. ويعني ذلك أن رؤساء الدول الأجنبية، ومبعوثوهم الدبلوماسيين لن يعاقبوا في الدول الإسلامية ـ اتباعًا للعرف الدولي المستقر ـ عن الجرائم التي يرتكبونها في دار الإسلام وبالمثل لن يعاقب نظراؤهم المسلمين عن جرائمهم في تلك الدول الأجنبية، وإنما ستتم معاقبتهم في دار الإسلام. (1) يقول الشيخ أبو زهرة والأساس في الاختلاف بين الحد، والقصاص ومثله الأموال أن الحد حق الله تعالى، وحقوق الله تعالى يتولى تنفيذها ولي الأمر بما خوله الله سبحانه وتعالى من سلطان وهو لا ينفذها على نفسه، أما الدماء والأموال، فهي حقوق العباد، وإن ذلك الحق ثابت ابتداء للعباد، فقد قال تعالى: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيهِ سُلْطَنَا فَلَا يُسْرِف فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا﴾ [الإسراء: 33] فالمطالبة والتنفيذ يكون من صاحب الحق، وهو أمر استمد من حكم الله القاهر فوق عباده، وليس للقاضي فيه إلا المعاونة على إظهاره الشيخ محمد أبو زهرة: الجريمة، ص 358. انظر تفصيلات أكثر في المرجع السابق، ص 358 - 360؛ د. محمود نجيب حسني: الجنائي الإسلامي، ص 205 - 210؛ د. حسن الشاذلي الجريمة: دراسة مقارنة في الفقه الإسلامي ومقابلة بالنظم الوضعية، ص 298 - 304، أبو زهرة: فلسفة العقوبة في الفقه 125 - 133؛ عبد القادر عودة: التشريع الجنائي الإسلامي،
الإسلامي، القسم الثاني، ص
الفقه
ج 1، ص 320 - 323. واستنادًا إلى منطق الحجة الداعية إلى إعفاء الإمام الأعظم من العقاب (لأنه هو الذي يتولى تنفيذ الحدود ولا يتصور أن ينفذها على نفسه، فإن الاستاذ عودة يرى أنه إذا