الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٤٩الباب الثاني: الجريمة في الفقه الإباضي
رابعا: تسليم الجناة (أو المجرمين) (1):
249
لا شك أن محاكمة الجاني في البلد الذي ارتكب فيه الجريمة يعتبر أمرًا مثاليا؛ لما في ذلك من تيسير إقامة الأدلة، والإثبات، وسماع الشهود ومعاينة مكان الجريمة، والتحقق من آثارها وظروفها، الأمر الذي قد يدعو إلى تفضيل تسليم المجرم لمحاكمته في بلد ارتكاب الجريمة. غير أن أغلب دول العالم لا تفضل تسليم رعاياها إلى دولة أخرى لمحاكمتهم وفقًا لقوانينها، فما هو موقف الشريعة الإسلامية في هذا
المقام؟
وهذا يقع كثيرًا في الرؤساء من أهل البادية والحاضرة، إذا استجار بهم مستجير، أو كان بينهم قرابة أو صداقة، فإنهم يرون الحمية الجاهلية والعزة بالإثم، والسمعة عند الأوباش: أنهم ينصرونه - وإن كان ظالمًا مبطلا - على المحق المظلوم؛ لا سيما إن كان المظلوم رئيسا يناديهم ويناويهم، فيرون في تسليم المستجير بهم إلى من يناويهم ذلا أو عجزا؛ وهذا ـ على الإطلاق - جاهلية محضة. وهي من أكبر أسباب فساد الدين والدنيا. وقد ذكر أنه إنما كان سبب كثير من حروب الأعراب، كحرب البسوس التي كانت بين بني بكر وتغلب، إلى نحو هذا، وكذلك سبب دخول الترك، والمغول دار الإسلام، واستيلاؤهم على ملوك ما وراء النهر وخراسان كان سببه نحو هذا ابن تيمية السياسة الشرعية، ص 65، 67.
(1) يذهب رأي إلى أن تسليم الدولة لرعايا الدولة الأجنبية إلى دولتهم لا يعد مخالفة لمقتضى الأمان، ولا لحكم الشرع، لأن الأمان الممنوح للمستأمن، مع وجود معاهدات التسليم، يكون مشروطًا بشرط ضمني هو ردُّه إلى دولته إذا طلبته وتوافرت فيه شروط التسليم، راجع د. عبد الكريم زيدان: أحكام الذميين والمستأمنين في دار الإسلام، مكتبة القدس - بغداد، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1402 هـ ـ 1982 م، ص 121. والواقع أننا نرى أن ذلك يكون فقط إذا أبرمت معاهدة التسليم قبل إعطاء الأمان، وفي هذه الحالة سيكون التسليم بناءً على شرط صريح وبناء على معرفة مسبقة من المستأمن، أما إذا تمت الأمان فلا يجوز التسليم بحال وإنما يخير المستأمن في أن يبلغ المأمن الذي يريد. ولا يمكن القول ـ في هذه الحالة ـ بوجود «شرط ضمني» بالتسليم، لأن ذلك في رأينا محض افتراض يقوم على الخيال ولا أساس له من الواقع.
المعاهدة بعد منح