الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٥١الباب الثاني: الجريمة في الفقه الإباضي
251
ومن المعلوم أن هناك اتجاهين أساسيين في الفقه الإسلامي بخصوص من يرتكب من المسلمين جريمة في دار الحرب ثم يفر إلى دار الإسلام: 1 - الاتجاه الأول: «الاتجاه الشخصي»: ويذهب إلى إمكانية توقيع العقاب في هذه الإحالة لأن المسلم يلتزم بأحكام الإسلام أينما كان، وقد تبنّى الجمهور هذا الاتجاه.
: (
2 - الاتجاه الثاني: «الاتجاه المكاني ويرى أن العقاب على الجريمة رهن بثبوت الولاية الإسلامية وقت ارتكاب الفعل ولما كانت هذه الولاية منتفية على دار الحرب فإن المسلم لا يعاقب على جرائمه التي ارتكبها هناك. وقد أخذ بهذا الاتجاه الفقه الحنفي.
ولكن هل يجوز ـ في إطار هذا الفرض - تسليم المسلم «أو الذمي» إلى دولة دار الحرب لتحاكمه عن الجريمة التي ارتكبها هناك حتى ولو كان ذلك بالتطبيق لمعاهدة دولية؟
يذهب الشيخ أبو زهرة إلى عدم جواز ذلك للأسباب الآتية:
أولها: اتفاق فقهاء المسلمين على أنه لا يصح أن يقضي على المسلم قاض غير مسلم، بل إن جمهور الفقهاء لا يسوغ أن يعين في الديار الإسلامية قاض من أهل الذمة يقضي بينهم، وقد خالف في ذلك أبو حنيفة، وكان رأيه في هذا غير رأي الجمهور، وأن تسليم الحاكم مسلما، ليقضي في أمره قاض غير مسلم لا يجوز.
ثانيها اتفاق الفقهاء على أنه لا يصح أن يقضى على المسلم بشريعة ليست مشتقة من كتاب الله تعالى وسُنَّة رسوله، ولا يصح على هذا أن يسلم مسلم ليقضى في أمره بغير الشرع الشريف، وليس لنا أن نثق من أنهم ينفذون فيه أحكام الشرع، ولو أعطوا على ذلك العهود والمواثيق.