الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤١١الباب الثاني: الجريمة في الفقه الإباضي
411
وقد أشار القرآن الكريم إلى أهم صورتين للركن المعنوي، وهما العمد
والخطأ:
يقول تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ، وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ [الأحزاب:5]، ويقول أيضًا: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَا [النساء: 92]. ويقول أيضا: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ
خَلِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: 93].
ويسمى
هو
«الأفعال ضربان: إرادي وضرب غير إرادي، والإرادي ضربان ضرب عن روية وضرب لا عن روية، والذي عن روية ضربان أحدهما: الذي عن روية تظن في غاية الشرف وهو ما يكون بحسب النفس الناطقة الاختيار وهو طلب ما له ويستحق أبدًا به الحمد إذا كان على الحقيقة اختيارًا. والثاني: على روية فيما ليس هو في غاية الشرف، وذلك إما بحسب القوة الغضبية وهو دفع ما يضره وإما بحسب القوة الشهوية، وكل واحد منهما إذا كان بقدر ما يوجبه العقل يستحق به الحمد، وإذا كان زائدا أو ناقصا يستحق الذم، والإرادي الذي عن غير روية واختيار ضربان أحدهما ما يفعله في نفسه والثاني بغيره. وكل ضربان نفع وضر فما قصد به نفع نفسه فقد يستحق به الحمد والشكر معًا، وما قصد به ضر نفسه فقد يستحق به الذم والعتب عليه، وغير الإرادي ثلاثة أضرب. الأول: يكون قسريا ومبدأه من خارج ولا يكون من أربابه معونة بوجه كمن رفعته ريح فسقط على آنية فكسرها. والثاني: أن يكون الجائيا كمن أكرهه سلطان على فعل ما، وهذا متى كان الملجأ إليه قبيحا جدا والسبب الملجئ إليه خفيفًا يستحق مرتكبه الذم كمن يضرب على أن يقتل إنسانًا، ومتى كان الملجأ إليه ليس بحميد بل قبيح، وكان السبب الملجئ إليه عظيما لا يستحق مرتكبه الذم كمن يوضع على حلقه السيف فيهدد بأن يقتل إن لم يتكلم بكل قبيح وكلاهم يقال له الإكراه والثالث: الخطأ وهو ما يكون مبدأه من صاحبه، وذلك نوعان: أحدهما: ما تولد عن فعل وقع منه وله أن يفعله، كمن يرمي هدفًا فيصيب إنسانًا وذلك يستحق به ملامة ما لم يقع من صاحبه تقصير في الاحتراز والثاني ما يتولد عن فعل ليس له أن يفعله كمن شرب فسكر فحمله سكره على أن كسر إناء، وضرب إنسانًا فإن ذلك يستحق الملامة، وإن لم يكسر الإناء وضرب الإنسان فقد ارتكب محظورًا أدى به إلى وقوع ذلك منه، فالضرب الأول يقال له أخطأ فهو مخطئ، والثاني يقال له خطئ فهو خاطئ، ولهذا قال أهل اللغة: خطئ في العمد وأخطأ في غيره الراغب الأصفهاني: الذريعة إلى مكارم الشريعة مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة، 1393 هـ ـ 1973 م، ص 222 – 223.