الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤١٢=
412
أحكام القانون الجنائي في الفقه الإباضي
وإذا كان فقهاء المسلمين قد سلموا بالعمد والخطأ كصورتين من صور القصد الجنائي، إلا أنهم اختلفوا بخصوص صورة ثالثة له وهي «شبه العمد» (1)، بل ويذكر البعض خمس صور
(2)
(1) يقول الإمام القرطبي ملخصًا هذا الاختلاف ومبينا رأيه فيه: «ذكر الله لك في كتابه العمد والخطأ ولم يذكر شبه العمد وقد اختلف العلماء في القول به؛ فقال ابن المنذر: أنكر ذلك مالك، وقال: ليس في كتاب الله إلا العمد والخطأ. وذكره الخطابي أيضًا عن مالك وزاد: وأما شبه العمد فلا نعرفه. قال أبو عمر: أنكر مالك والليث بن سعد شبه العمد؛ فمن قتل عندهما بما لا يقتل مثله غالبًا كالعضة واللطمة وضربة السوط والقضيب وشبه ذلك فإنه عمد وفيه القود. قال أبو عمر: وقال بقولهما جماعة من الصحابة والتابعين. وذهب جمهور فقهاء الأمصار إلى أن هذا كله شبه العمد. وقد ذُكر عن مالك وقاله ابن وهب وجماعة من الصحابة والتابعين. قال ابن المنذر وشبه العمد يعمل به عندنا. ومن أثبت شبه العمد الشعبي والحكم وحماد والنخعي وقتادة وسفيان الثوري وأهل العراق والشافعي، وروينا ذلك عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب لها. قلت: وهو الصحيح؛ فإن الدماء أحق ما احتيط لها إذ الأصل صيانتها في أهبها، فلا تستباح إلا بأمر بيّن لا إشكال فيه، وهذا فيه إشكال؛ لأنه لما كان مترددًا العمد بين والخطأ حكم له بشبه العمد؛ فالضرب مقصود والقتل غير مقصود، وإنما وقع بغير القصد فيسقط القود وتغلظ الدية. وبمثل هذا جاءت السُّنَّة؛ روى أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا إن دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل منها أربعون في بطونها أولادها». وروى الدارقطني عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «العمد قود اليد والخطأ عقل لا قود فيه ومن قتل في عمية بحجر أو عصا أو سوط فهو دية مغلظة في أسنان الإبل». وروي أيضًا من حديث سليمان بن موسى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عقل شبه العمد مغلظ مثل قتل العمد ولا يقتل صاحبه». وهذا نص. وقال طاوس في الرجل يصاب في الرميا في القتال بالعصا أو السوط أو الترامي بالحجارة. يودى ولا يقتل به من أجل أنه قاتله. وقال أحمد بن حنبل العميا هو الأمر الأعمى للعصبية لا تستبين ما وجهه. وقال إسحاق: هذا في تحارج القوم وقتل بعضهم بعضًا. فكأن أصله من التعمية وهو التلبيس؛ ذكره الدارقطني الإمام القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، ج 5،
لا يدري من
ص 329 - 330.
(2) يقول الإمام ابن الشحنة: «تعمد القتل على خمسة أوجه: عمد، وشبه عمد، وخطأ، وما جرى