الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤٣فصل تمهيدي: مقدمات دراسة القانون الجنائي في الفقه الإباضي
43
الاتجاه الثاني: عدم جواز القياس في التجريم والعقاب:
ويستند هذا الاتجاه إلى الحجج الآتية:
الأولى: أن الحدود والكفارات من الأمور المقدرة التي لا يمكن تعقل المعنى الموجب لتقديرها، والقياس أساسه تعقل علة حكم الأصل، فما لا يعقل له من الأحكام علة فالقياس فيه متعذر.
الثانية: أن الحدود عقوبات وكذلك الكفارات فيها شائبة العقوبة، والقياس مما يدخله احتمال الخطأ، واحتمال الخطأ شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات لقوله صلى الله عليه وسلم: «ادرؤوا الحدود بالشبهات».
الكفار
والثالثة: أن الشارع قد أوجب حد القطع بالسرقة، ولم يوجبه بمكاتبة مع أنه أولى بالقطع، وأوجب الكفارة بالظهار لكونه منكرًا وزورا، ولم يوجبها في الردة مع أنها أشد في المنكر وقول الزور، فحيث لم يوجب ذلك فيما هو أولى، فهو دليل على امتناع جريان القياس فيه (1).
ويأخذ المرحوم الشيخ محمد أبو زهرة برأي وجيه، نسانده فيه، وهو أن «القياس بلا شك يعمل به في جرائم التعزير، مع تغاير العقوبة (فالغصب يعاقب عليه، ولكن بعقوبة لا تكون كعقوبة السرقة والسب يعاقب بعقوبة من جنس القذف، ولكن لا تماثلها تمامًا من كل الوجوه)، أما جرائم الحدود القياس عليها» (2). يصح
فلا
(1) راجع عبد القادر عودة: التشريع الجنائي الإسلامي، ج 1، ص 183 - 184؛ الشيخ محمد أبو زهرة الجريمة، ص 305؛ الشيخ محمد أبو زهرة: فلسفة العقوبة في الفقه الإسلامي،
1963 م،
ص
209
211؛ د. عبد الفتاح الصيفي: الأحكام العامة للنظام الجنائي في
الشريعة الإسلامية، والقانون، ص 114 - 116.
(2) الشيخ محمد أبو زهرة: الجريمة، ص 231، 304 - 305.