الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤٤44
أحكام القانون الجنائي في الفقه الإباضي
ويضرب الفقه بعض الأمثلة التي يجوز فيها القياس في إطار قانون العقوبات (1)، ويقررون أيضا بجواز القياس في مجال الإجراءات الجنائية لأن
لعلة
مفاسد،
(1) من ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: 90]. يقول د. حسن الشاذلي: «فقد حرم الله شرب الخمر بالنص لما لها من هي الإسكار، والخمر عند العرب هي عصير العنب النيّئ إذا ترك حتى اشتد وقذف بالزبد، وقد وجدت أشياء أخرى تفعل فعل الخمر وتؤثر أثرها، وهي ما اتخذ من غير العنب من الثمار والحبوب والنباتات المختلفة وغيرها مما يغيب العقل ويحجبه عن العمل، فالمجتهد يلحق هذه الأشياء بالخمر لتحقق العلة التي شرع من أجلها التحريم فيها، فتكون محرمة والميسر حرام بالنص السابق، لعلة هي أخذ مال الغير على سبيل المخاطرة، وقد وجدت هذه العلة في ورق اليانصيب» فيحرم. د. حسن الشاذلي: الجريمة دراسة مقارنة في الفقه الإسلامي ومقابله بالنظم الوضعية، دار الفكر العربي، القاهرة،
ص 59.
ويذكر المرحوم د. محمود نجيب حسني الأمثلة الآتية: وتطبيقًا لذلك، فإن حديث «دفع الصائل» الذي رواه أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ورد فيه: «لو أن امرءا اطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة ففقأت عينه لم يكن عليك جناح، تضمن إباحة إتلاف العين في حالة اطلاع الصائل على قوم في بيتهم، ولكن يقاس على الاطلاع» كفعل اعتداء كل فعل اعتداء آخر كالدخول في المسكن بغير إذن أو إتلاف المال، ويقاس من باب أولى الفعل الذي يهدد بالقتل أو الجرح أو المساس بالعرض، ويقاس كذلك على فقء العين كل فعل شأنه دفاع من رد الصيال، كقتل الصائل أو جرحه أو ضربه أو إتلاف سلاحه أو دابته التي
يعتليها.
وما ورد في الحديث رفع القلم عن المجنون حتى يفيق يرد عليه قياس، إذ يجوز أن يقاس على المجنون الشخص المصاب بمرض عصبي أو نفسي أو مصاب بالصمم والبكم إذا ثبت أن علة مساءلة المجنون، وهي «فقد الإدراك وحرية الاختيار»، متوافرة كذلك في الحالات المشار إليها، فيما تقدم. وما ورد في آية الحرابة في قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: 34]، من تقرير مانع العقاب في حالة التوبة في جريمة الحرابة يمكن أن تقاس عليها التوبة من مرتكب جريمة أخرى قبل القدرة عليه، إذا رأى المفسر أن علة امتناع العقاب بالتوبة في الحرابة تتوافر بالتوبة في جريمة أخرى».
د. محمود نجيب حسني: الفقه الجنائي الإسلامي، المرجع السابق، ص 96.