أحكام القانون الجنائي في الفقه الإباضي أحمد أبو الوفا [دارس عن الإباضية]

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٤٨

48

أحكام القانون الجنائي في الفقه الإباضي

الحادثة إذا حدثت لا تخلو من حكم الله فيها، إما أن يكون منصوصًا عليها بأخص أسمائها أو يكون منصوصًا عليها في الجملة مع غيرها. والاختلاف بين الصحابة في الحوادث وما يتنازع العلماء فيه من الأحكام لاختلاف المذاهب في المختلف فيه، فقال قوم كان اختلاف الصحابة على طريق القياس والاجتهاد، وقال قوم: كان اختلافهم استخراج الحكم بالدليل المستنبط به، والاختلاف أيضًا قد يقع بين العلماء في نفس المنصوص لأن من العلماء من يقول بالعموم، ومنهم من يقول بالخصوص، وربما كان اختلافهم من وجه آخر لأن من العلماء من يقول: إن الأوامر على الوجوب، ومنهم من يقول: هي على الندب ومنهم من يقول: الأوامر إذا وردت كانت على الوقف لا حكم لها حتى يرد بيان يرفع الشبهة عن المأمورين ويزيح العلل عنهم. وإذا كان هذا هكذا فالاختلاف قد يقع عليه في المنصوص عليه بعينه، ويقع الاختلاف أيضًا في المنصوص عليه باسمه في الجملة، ألا ترى إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم كيف يقول: «إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم»، ثم أجمعوا أن بيع الذهب بالفضة أحدهما بأخرى غير جائز إذا كان أحدهما غائبًا، وقد نهى عن بيع المنابذة والملامسة ولم يقل: كيف شئتم إلا المنابذة والملامسة فهذا يدل على أنه قد قال بيعوا كيف شئتم إلا ما نهيتكم عنه من البيوع»).

وهكذا فإن تفسير النصوص بصفة عامة، والنص الجنائي بصفة خاصة، له دور مهم في تطبيقها. ومن أروع التفسيرات في هذا الخصوص ما قرره العوتبي بخصوص قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْتُلُوا أَوْلَدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: 31]، حيث يقول: وليس في نهيه تعالى عن ذلك دليل على إجازة قتلهم إذا لم يخش الإملاق بل كان ما عدا الإملاق موقوفا على الدليل، وقد ورد التحريم

(1) ابن بركة الجامع، ج 1، ص 115 - 116.