الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٩الباب الثالث: المسؤولية الجنائية في الفقه الإباضي
29
ونحن نوافق على هذا الرأي الذي يجعل الفاعل المعنوي مسؤولاً، وليس الفاعل المادي الذي نفذ الجريمة
1 ـ فالفاعل المادي لا يسأل لأنه ليس له إرادة اتجهت ـ عن علم و دراية ـ إلى ارتكاب الجريمة. وإنما كان مجرد أداة أو وسيلة لارتكابها، أو هو - - كما قال البيضاوي - كالآلة في التنفيذ، إذ يقرر أن: «فعل الجلاد فعله (أي فعل الجلاد يعتبر فعل الإمام)، وهو كالآلة فلا يضمن إلا إذا علم حرمته ووجد محيصا عنه» (1).
2 - وبالتالي، فالفاعل المادي ليس من صور المساهمة الجنائية، لأن هذه الأخيرة تفترض ـ في رأينا - اتجاه الإرادة نحو ارتكاب الجريمة مع العلم بأن الفعل غير مشروع، بينما الفاعل المعنوي هو مجرد آلة تنفذ تلقائيا كل ما يلقي إليها.
ويعرّف الفقه الإباضي: فكرة «الفاعل المعنوي». يقول الشيخ ابن النظر:
«ويلزمه فيما جناه بأمره صبي ومجنون وعبد مكبل (المكبل المقيد). ومن أمر صبيا لا تجري عليه الأحكام بقتل إنسان أو ضربه فعلى من أمر القصاص، ولا سبيل على الصبي.
(1) قاضي القضاة البيضاوي: الغاية القصوى في دراية الفتوى، ج 2، ص، 938. كذلك بخصوص من يأمر صبيا أو مجنونًا أو معتوها بارتكاب جريمة، فإن الأمر هو الذي يقتص منه، إذ إن «غير المسؤول كالآلة في يد القاتل، ولا يذهب الدم هدرًا» الشيخ محمد أبو زهرة: فلسفة العقوبة في الفقه الإسلامي، القسم الثاني، ص 340. ويطلق عبد القادر عودة على هذه المسألة عبارة الشريك المباشر المتسبب»، بقوله: «يعتبر مباشرًا للجريمة الشريك المتسبب إذا كان المباشر آلة في يده يحركه كيف يشاء» عبد القادر عودة: التشريع الجنائي الإسلامي، ج 1، ص 362. راجع أيضا بخصوص الفاعل المعنوي: د. أحمد عوض بلال: مبادئ قانون العقوبات المصري - القسم العام، ص 424 - 429.