الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥٥الباب الثالث: المسؤولية الجنائية في الفقه الإباضي
أ) القواعد العامة:
55
من الطبيعي وهو ما يتفق مع الفطرة والسليقة الحسنة، أنه إذا قرر الشرع حقًا للشخص، فإن استعماله لهذا الحق ـ في الحدود المقررة ووفقًا للشروط المحررة - لا يرتب عليه مسؤولية.
وقد نصت على ذلك القوانين الجنائية الحديثة ومنها قانون العقوبات المصري في أكثر من موضع: فالمادة 60 تنص على أنه «لا تسري أحكام قانون العقوبات على كل فعل ارتكب بنية سليمة عملا بحق مقرر بمقتضى الشريعة»؛ والمادة السابعة من ذات القانون تنص على أنه لا تخل أحكام هذا القانون في أي حال من الأحوال بالحقوق الشخصية المقررة في الشريعة الغراء».
>>
واستعمال الحق كسبب نافي للضمان يؤكده قوله تعالى: {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيل (1) [التوبة: 91). ويستند اتجاه في الفقه الإسلامي إلى الآية المذكورة للقول بانتفاء الضمان. وهكذا قيل: «وإذا اطلع المحتسب على خمر المسلم وأراقها لا ضمان عليه في إراقتها أما الإراقة فلأنه نهي عن المنكر، وأما عدم الضمان فلأنه محسن مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سبيل (2)، ويقول الإمام القرطبي بخصوص هذه الآية إنها: «أصل في رفع العقاب عن كل محسن، وبخصوص نفس الآية يقول ابن العربي: «يريد
(44
(1) أصبحت هذه القاعدة من أمثال القرآن تجري مجرى المثل، وهو من النوع البديعي المسمى بإرسال المثال (راجع: جعفر بن شمس الخلافة كتاب الآداب، تحقيق محمد أمين الخانجي، مكتبة الخانجي، القاهرة، 1414 هـ ـ 1993 م. ص 62؛ الإمام السيوطي: الإتقان في علوم القرآن، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار التراث، القاهرة، ج 4، ص (2) الإمام عمر بن محمد السنامي: نصاب الاحتساب، دار الوطن، الرياض، 1414 هـ - 1993 م، تحقيق د مريزن عسيري، ص 299. (3) الإمام القرطبي: الجامع لأحكام القرآن الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1987 م،
ج 8، ص 227