أحكام القانون الجنائي في الفقه الإباضي أحمد أبو الوفا [دارس عن الإباضية]

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٥٤

54

أحكام القانون الجنائي في الفقه الإباضي

وفي الفقه الإسلامي القاعدة أن الجهل بالأحكام لا يعد عذرًا مسوغا لإسقاط الأحكام، أو لإسقاط العقوبات المترتبة عليها، خصوصا بالنسبة للأمور القطعية التي تدخل في باب «ما علم من الدين بالضرورة»، ومن ذلك العقوبات المقدرة).

يقول القرافي: «اعلم أن صاحب الشرع قد تسامح في جهالات في الشريعة فعفا عن مرتكبها وأحذ بجهالات فلم يعف عن مرتكبها وضابط ما

يجب

(1) يقول الشيخ أبو زهرة إن: «عقوبات الحدود والقصاص قد ثبتت بالنص القرآني، أو بالحديث النبوي، وانعقد إجماع المسلمين عليها، فهي لم تثبت بالتأويل أو بالقياس، وبذلك لا يكون الجهل بها عذرًا لمن يكون في إمكانه العلم بها، فلا يسوغ لمسلم أو لغير مسلم يقيم في الديار الإسلامية أن يجهل أن الزنى حرام، وأن القتل حرام، فلا عذر في الجهل بأصل التحريم: ولا يعد الجهل بأصل التحريم شبهة تسقط العقوبات المقدرة، فإذا ادعى مسلم أنه يجهل تحريم الزنى لا يعد ذلك شبهة بل يعد جريمة بجوار جريمة الارتكاب، وذلك إذا كان يقيم في عمران المسلمين، ولم يكن حديث عهد بالإسلام، أما إذا كان كذلك، فإن مظنة الجهل تجعل ادعاءه مصدقا. وأنه أن يعلم أن أهل الذمة الذين يقيمون مع المسلمين لا يعذرون بالجهل بالأمور التي تعد من الأحكام الإسلامية المقررة، فلا يصح أن يزني أحد من أهل الذمة، ويدعي الجهل بالتحريم، أو يسرق ويدعي الجهل بالتحريم، وذلك لأمرين؛ أحدهما: إقامتهم في الديار الإسلامية فيجب أن يعرفوا قوانين الدولة التي يقيمون فيها، والزواجر الاجتماعية المطبقة على المسلمين وعليهم، فيعلموا أن السارق تقطع يده، وأن من قتل يقتل، وأن أكل أموال الناس بالباطل حرام، والسبب الثاني: أن إقامتهم في الديار الإسلامية على أساس أن لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، وما دام الأمر كذلك فإنه يجب أن يعلموا الأحكام الإسلامية المطبقة عليهم، ولا يعذرون في الجهل بها، ولا يعد الجهل شبهة، وإلا تهدمت الأحكام في حقهم،

وأصبحوا معفين من الحدود والقصاص بدعوى الجهل الذي لا تشهد الحال لهم فيها». ولذلك بالنسبة لمن يقيم في غير الديار الإسلامية، يمكن إن ثبت أن يكون الجهل عذرا، لتوافر شبهة الجهل في هذا الخصوص. راجع الشيخ محمد أبو زهرة: فلسفة العقوبة في الفقه الإسلامي، معهد الدراسات العربية العالمية، القاهرة، 1966 م، القسم الثاني، ص 27 - 33. انظر أيضا د. حسن الشاذلي: الجريمة دراسة مقارنة في الفقه الإسلامي، ومقابلة بالنظم الوضعية، ص 611 ـ 617.