الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٥٥فصل تمهيدي: مقدمات دراسة القانون الجنائي في
الفقه الإباضي
55
يعفى عنه من الجهالات الجهل الذي يتعذر الاحتراز عنه عادة وما لا يتعذر الاحتراز عنه ولا يشق لم يعف عنه ولذلك صور، أحدها: من وطئ امرأة أجنبية بالليل يظنها امرأته أو جاريته عفي عنه لأن الفحص عن ذلك مما يشق على الناس» (1).
بل ويرى الفقه الإسلامي أن الجهل بتفسير النصوص لا يعد عذرًا في رفع الحكم وفي عدم المسؤولية (2).
(1) القرافي: الفروق، عالم الكتب، بيروت، ج 1، الفرق رقم 94، ص 149 - 150. (2) دليل ذلك ما حدث من أن بعض الصحابة رضوان الله عنهم شرب الخمر بعد نزول آية التحريم، وهي قوله تعالى: ﴿يَتأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: 90 متأولا قوله تعالى في الآية التالية للآية التي بعدها وهي قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوا وَءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَءَامَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة:93]، قائلًا لعمر. حينما أمر بجلده، لم تجلدني بيني وبينك كتاب الله، فقال عمر: وفي أي كتاب الله تجد ألا أجلدك؟ فقال له: إن الله تعالى يقول في كتابه: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا .. الآية، فأنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ثم اتقوا وآمنوا، ثم اتقوا وأحسنوا شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرًا، وأحدًا والمشاهد كلها، فقال عمر: ألا تردون عليه ما يقول؟ فقال ابن عباس: إن هؤلاء الآيات أنزلن عذرًا لمن غبر (أي: لمن سبق له الشرب قبل نزول الآية وحجة على الناس، لأن الله تعالى يقول: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ الآية، ثم قرأ حتى أنفذ الآية الأخرى التالية لها، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَيْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَوةُ فَهَلْ أَنتُم مُنتَهُونَ﴾ [المائدة:92]، فإن كان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فإن الله قد نهاه أن يشرب الخمر أي) لأن آية التحريم الخطاب موجه فيها إلى الذين آمنوا وعملوا الصالحات) فقال عمر: صدقت، ثم جلده حد الخمر» وفي رواية قال له ه: «أخطأت التأويل يا قدامة، إذا اتقيت الله اجتنبت ما حرم الله ثم أقام عليه الحد، وما ذكر من هذه القصة يدل على أن الخطأ في تأويل النصوص لا يرفع المسؤولية».
عمر
د. حسن الشاذلي: الجريمة دراسة مقارنة في الفقه الإسلامي ومقابلة بالنظم الوضعية،
ص 615.