الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٥٩فصل تمهيدي: مقدمات دراسة القانون الجنائي في
الفقه الإباضي
59
النبي صلى الله عليه وسلم وعن ابن مسعود: إن الحرام بيّن والحلال بيّن، وبين ذلك شُبهات فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (1).
ثالثًا: أن القول بأن الجهل يعد عذرا، يعني أن يكون العالم في مركز أسوأ من الجاهل.
وهكذا بخصوص فيمن قذف مسلمًا جهلًا منه أو ناسيا، أيجب عليه الحد، إذا كان ذلك بدعواه؟ الجواب: إن الحد على من قذف مسلما بالزني، إذا تعمد قذفه ولو لم يعلم وجوب الحد في ذلك، والجهل في ذلك ليس عندنا بشيء، ولو أن الجهل ينفع لكان الجهل أنفع من العلم، ويؤيد ذلك قول الله: ﴿وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وعل وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَيكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36). وقال تعالى: ﴿فَسْتَلُوا أَهْلَ الذكر إن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]. ولو كان الجاهل معذورًا بجهله، لما كان في أوامر الله جل بالسؤال عما جهله معنى، ولا فائدة، تعالى الله علوا
كبيرا» (2).
رابعًا: أن كل إنسان مسؤول عن أفعاله وبالتالي، فإن من يرتكب جرما يعاقب عليه، عالمًا كان أو جاهلا، فارتكاب الفعل الحرام هو مناط العقاب.
(1) جامع البسيوي، ج 1، ص 643 - 644. ويقول أستاذنا د. محمد سلام مدكور: «إن إمكان العلم بحكم الشرع يقوم مقام العلم الحقيقي، فمتى بلغ الإنسان عاقلا وكان ميسرًا له أن يعلم ما حرم عليه، إما بالرجوع إلى النصوص، وإما بالرجوع إلى أهل الذكر ما دام قادرًا على الرجوع إليهم، ما كان له أن يعتذر بالجهل بالحكم سواء عن طريق ادعائه بالجهل بذات النص أو بمعناه الحقيقي»، د. محمد سلام مدكور نظرية الإباحة عند الأصوليين والفقهاء، دار النهضة العربية، القاهرة، 1984، ص
110°
(2) الشيخ عبد الله الخراسيني: فواكه العلوم في طاعة الحي القيوم، ج 3، ص 380؛ السيد مهنا بن خلفان البوسعيدي: لباب الآثار الواردة على الأولين والمتأخرين الأخيار، ج 14،
ص
291 - 290