أحكام القانون الجنائي في الفقه الإباضي أحمد أبو الوفا [دارس عن الإباضية]

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٢٥٢

252

أحكام القانون الجنائي في الفقه الإباضي

الثابت في الشريعة الإسلامية عدم الاعتداد بالضرورة لإباحة قتل الغير.

فقد نظرت الشريعة الإسلامية إلى الحياة نظرة مطلقة حتى في حالة الضرورة والتي يمكن ـ في القانون الوضعي - أن تكون سببًا لإباحة الفعل، فالحياة في الشريعة ليست محلا للإباحة أو موضعًا لرخصة، وإنما هي معصومة دائما إلا لسبب شرعي، وليست الضرورة سببًا يبيح إزهاق أرواح الآخرين للنجاة بروح شخص أو أشخاص معينين. ذلك أنه في هذه الحالة لا تمايز بين الأرواح ولا تفضيل بينها، وإنما الكل أمام الموت أو الحياة سواء. ويعزز ذلك قوله تعالى

بصيغة الأمر: وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [الإسراء: 33].

ولا تعتبر الضرورة في الشريعة الإسلامية سببًا يدخل في نطاق الاستثناء المذكور في عجز الآية السابقة. ويؤيد ذلك أيضًا (وهو ما يسري خصوصا على الضرب أو الجرح أو القطع قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَنَا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ [الأحزاب: 58].

وقد قرر الإمام الشيباني مبدأ هاما في هذا الخصوص، وهو أنه «لا يحل لمسلم أن يقي روحه بروح من هو مثله في الحرمة).

قلت: فإن كان لا يظفر بهم إلا بذلك؟

بهم

قال: إذا كان لا يظفر إذا تحصنوا عنه إلا بهدم منازلهم جاز له، وقد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في محاربته لليهود حين تحصنوا عنه وكان المسلمون يخربون من موضع والكفار يخربون من موضع آخر ليسدوا ما خرب المسلمون. قال الله: يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِى الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَتأُولِي الْأَبْصَرِ} [الحشر: 2).

قلت: فيقطع نخيلهم إذا امتنعوا وتحصنوا؟ قال: فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع عليهم وترك. وقد قال الله: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا فَأَيْمَةٌ عَلَى أُصُولِهَا فَيَاذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْرَى الْفَسِقِينَ﴾ [الحشر: 5). السير والجوابات لعلماء وأئمة عُمان، تحقيق د. سيدة إسماعيل كاشف، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، 1406 هـ - 1986 م، ج 2، ص 208. (1) انظر مقالتنا: أصول القانون الدولي والعلاقات الدولية عند الإمام الشيباني، مجلة القانون والاقتصاد، كلية الحقوق - جامعة القاهرة، عدد 57، 1987، ص 316.

٧١٤ / ١٬٢٣٠