الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٣٢432
أحكام القانون الجنائي في الفقه الإباضي
يقول السالمي: إن في الحديث فوائد، منها:
«إن من زنا فأقيم عليه الحد ثم عاد أعيد عليه بخلاف من زنا مرارًا قبل الحد فإنه يكتفى فيه بإقامة الحد عليه مرة واحدة» (1).
من البدهي أن الجاني إذا ارتكب الجريمة لأول مرة، فإنه عدالة يعاقب بالعقوبة المقررة لها، سواء كانت من العقوبات المقدرة أو غير المقدرة، لكنه إذا عاد إلى الإجرام فيمكن تشديد العقاب عليه، علة ذلك أن العود يكشف عن خطورة إجرامية للعائد بما يحتم تشديد العقاب عليه لكي ينزجر، ولمواجهة مثل هذه الخطورة الإجرامية.
وهكذا يرى الجويني أن المتهم إذا عاد إلى ارتكاب الجريمة، فعلى السلطان أن يسارع إلى تأديبه، وإذا تكرر عليه ذلك، أوشك أن يمتنع ويرتدع ثم إن انكف فهو الغرض، وإن تمادى في دعواته، أعاد عليه السلطان تنكيله وعقوباته فتبلغ العقوبات مبالغ تربي علي الحدود، وإنما يتسبب إلى تكثير العقوبات بأن يبادره بالتأديب مهما عاد، وإذا تخللت العقوبات في أثناء موجباتها تعددت وتجددت فلا يبرى جلده عن تعزير، وجلدات نكال حتى تحل به عقوبة أخرى.
والذي بيديه أصحاب السياسات أن التعزير المحطوط عن الحد لا يزع ولا يدفع، وغايتهم أن يزيدوا على مواقف الشريعة ويتعدوها ليتوصلوا بزعمهم إلى أغراض رأوها في الإيالة والسلك الذي مهدناه يتضمن الزجر الأعظم والردع الأتم واستمرار العقوبات مع تقدير المعاودات. فإن مجرم أنكف بالقليل فالكثير محرم فلا أدب في تعذيب مسلم، وإن أبى عدنا له» (2).
(1) السالمي: شرح الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع، ج 3، ص 308 - 310. (2) إمام الحرمين الجويني: غياث الأمم في التياث الظلم، ص 169 - 170.