الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٤١الباب الحادي عشر: الجهاد (الحرب) في الفقه الإباضي
241
حري بالذكر أنه قد درج سلوك الدول - حاليا - على شن الحرب بغتة وبلا مقدمات، لتحقيق عنصر المفاجأة التي تشل حركة العدو وتمنعه من الرد المناسب. وهكذا لم يعد تقديم إنذار أو إعلان بالحرب شرطًا من شروط شنها. ولا مناص من استفادة الدول الإسلامية من هذا السلوك الحالي، حتى لا تكون في وضع أسوأ من غيرها. خصوصا أن الدعوة إلى الإسلام معروفة لدى كل شعوب الأرض الآن بسبب وسائل الإتصالات الحديثة (1).
- عدم الفرار من الزحف
قال الله تعالى: ﴿يَنْأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ * وَمَن يُوَلِهِمْ يَوْمَذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيّنًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ﴾ [الأنفال: 15، 16].
وقد وضعت هاتان الآيتان قاعدة واستثناءين:
1 - أما القاعدة، فهي عدم جواز الفرار من الزحف. وهذا ما أكده الفقه الإباضي، فقد جاء في بيان الشرع: «ليس لمسلم إذا تلاقي زحف المسلمين وزحف الكافرين أن يولّهم دبره راجعا عن قتالهم إلَّا من عذر أو يرجع قبل ذلك» (2).
2 - وأما الاستثناءان، فهما جواز أن يهرب الشخص من القتال إذا كان:
الآفاق»
(1) يقول ابن حبيب إن من بلغه الإسلام وعلم ما يدعى إليه وحارب وحورب كالروم والإفرنج ممن دانى أرض الإسلام وعرفه فالدعوة فيهم ساقطة فيجب أن يغار عليهم وينتهز فيهم الفرصة. يقول الإمام الباجي إن هذا عليه عمل المسلمين في سائر (الإمام الباجي: كتاب المنتقى شرح موطأ الإمام مالك بن أنس، دار الكتاب الإسلامي، القاهرة، ط الثانية، ج 3، ص 217).
(2) الكندي: بيان الشرع المرجع السابق، ج 70، ص 318.