أحكام القانون الدولي والعلاقات الدولية في الفقه الإباضي أحمد أبو الوفا [دارس عن الإباضية]

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٢٦٤

=

264

أحكام القانون الدولي والعلاقات الدولية في الفقه الإباضي

وفي الفقه الإباضي يمكن التمييز أيضا بين ذات الإتجاهين. وهو ما

ندرسه الآن، ثم نتبعه ببيان رأينا الخاص.

أ) الاتجاه الأول - أساس العلاقة هو الحرب

أخذ بهذا الاتجاه عدد كبير من فقهاء الفقه الإباضي:

فقد أخذ به الإمام ابن محبوب والذي يتلخص رأيه في أن قتال غير المسلمين لازم ما لم يوجد عهد بينهم وبين المسلمين). كذلك عند حديثه

(1) لأهمية رأي ابن محبوب نذكره نقلاً عن كتاب المحاربة، إذ يقول إنه بعد أن اشتد أذى أهل مكة: «هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه كان أول ما أوحى اليه من ذكر القتال أن أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا} [الحج: 39] ثم قال: {وَقَتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا [البقرة: 190] نهيًا عن قتال من لم يقاتلهم، ثم أمرهم بقتال من يليهم منهم: {وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً [التوبة: 123] ثم نهاهم عن ذلك عند المسجد الحرام حتى يقاتلوهم فيه، ونهى عن ذلك في الشهر الحرام بقوله: ﴿قُلْ قِتَالُ فِيهِ كَبِيرُ﴾ [البقرة: 217]، أي من الذنوب. وإنه لما أتصلت بأقطار الأرض وآفاق البلاد الدعوة، وقامت فيها الحجة، أمر الله نبيه بقتال المشركين كافة بعد التبري إليهم من عهدهم للأوقات التي كانوا وعدوه فيها الاستجابة له، بعد النظر منهم وإيذانه بحرب تكون بينهم فبراء اليهم صلى الله عليه وسلم بعد مضي أجلهم الذي عقدته ذمته لهم، وأنزل الله في ذلك أول سورة براءة وهو قوله: ﴿فَسِيحُوا في الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: (2] فتلك أربعة أشهر كوامل أجلا للمشركين حيث شاءوا من الأرض إعذارًا إليهم وإنذارًا لهم ببلوغ مأمنهم، وبراءة منهم ونبا بالحرب بعدها إليهم إن لم يؤمنوا بالله ورسوله ويذعنوا لحكمه، إلا من كان له عهد إلى أكثر منها بقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: (4)، فإذا انسلخ الأشهر الحرم ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة: 5].

فعم المشركين بهذه الآية، ثم قال: {فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَوَةَ وَ اتَوُا الزَّكَوةَ فَخَلُوا سَبِيلَهُمْ) [التوبة: 5] وقال: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَأَسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة: 7] وهم أهل الأربعة الأشهر، فإذا أحد منهم في الأربعة فلا أمان له لقوله تعالى: الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَتُ قِصَاصُ فَمَنِ

اعتدى

اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194]، يقول من نقض عهده فاعتدوا عليه بنقضه، وقال: {وَإِما تَخَافَنَّ