الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٦٩الباب الحادي عشر: الجهاد (الحرب) في الفقه الإباضي
269
ب الاتجاه الثاني: أصل العلاقة هو السلم وأن الحرب للدفاع: أخذ بهذا الاتجاه رأي في الفقه الإباضي الحديث، ويمثله أساسا الإمام الشيخ بيوض؛ إذ يقول إن الحرب حالة ضرورية استثنائية تقدر بقدرها»؛ إذ الأصل في الدنيا هو السلم كما أن حرب المسلمين «هي حرب دفاع لا هجوم»).
40
بالقتال، وفيها أمر بالقتال لا إذن فقط، ولكن قتال الذين يقاتلون المسلمين» الشيخ بيوض: في رحاب القرآن، ج 4، ص 484 قاله في معرض تفسيره للآية من سورة الحج). (1) لأهمية رأي الشيخ بيوض نذكره في أهم ما جاء فيه. فبخصوص قوله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: 4]، يقول في تفسيره لها: «قد يتوهم المتوهم أن الله تعالى أعطانا الحرية المطلقة لقتل الكفار كلما وجدناهم، كيفما كان الكافر مشركًا أو يهوديًا أو نصرانيا، في حالة حرب أو حالة سلم. وضرب الرقاب كناية عن القتل؛ لأن القتل عندهم يومئذ بالسيف غالبًا، وإن قد يكون بالطعن بالرمح أو الخنجر، فليس المعنى كلما لقيتموهم فاضربوا، رقابهم كلا، وإنما الذي يحدد لنا الوقت الذي تضرب فيه الرقاب هو قوله: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: 4]، وهذا ما يبدو لي أن أستشهد به ولم أره في التفاسير، وقد رأيت تفسيرين أو ثلاثة ولم يشيروا إلى هذا، وبين المفسرين خلاف. فقوله: (حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا، وقوله: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ) [الأنفال: (15) وقوله: ﴿مَا كَانَ لِنَي أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُشْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: 67] هذه الآيات تبين وتحدد وقت ضرب الرقاب بوقت الحرب، وهكذا نفهم الآية، وافهموها جيدًا، لأنها مزلق، إذ ربما يخطاء فيها من لا يتدبر فيقول: أنا وجدت كافرًا في الطريق فقتلته، لأن الله تعالى يقول: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: 4]، كلا! ليس هذا هو مراد الله تعالى، وإنما الحرب حالة ضرورية استثنائية تقدر بقدرها، وللحرب أمد محدود، تبتديء في أوله وتنتهي في آخره، إذ الأصل في الدنيا هو السلم». ويضيف أيضا:
وليس معنى فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) في الطرقات والشوارع والمنازل، وإنما إذا لقيتموهم في صفوف الحرب، واشتبكتم معهم، إذا زحفتم إليهم وزحفوا إليكم، والتقيتم على موعـ رعد أو على غير موعد، وقد يكون كما قال الله تعالى في المعلوم أن الحالة بين الكفار والمؤمنين إما أن تكون حالة حرب وإما أن تكون حالة سلم أو حالة هدنة، والله تعالى يشرع لكل حالة ما يليق بها، وهنا شرع ما يفعل المؤمنون بالكفار إذا قامت الحرب بينهم، والمعبر عنها باللقاء: {فَإِذَا