الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٨٥الباب الحادي عشر: الجهاد (الحرب) في الفقه الإباضي
285
من ذلك ما حدث خلال فتح مكة، فقد جاء أبو سفيان مبعوثا من قريش، فلما لقيه العباس أركبه معه على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما ارتحل النبي صلى الله عليه وسلم لدخول مكة قال: يا عباس بمضيق الوادي، فكلما مرت قبيلة بلوائها مثل سليم ومزينة (يعرفه العباس بها، قال: ما لي ولها؟ حتى مرت الكتيبة الخضراء المهاجرون والأنصار، سميت لكثرة سلاح الحديد فيهم، حتى لا يظهر إلا عيونهم، فقال: لا طاقة على هؤلاء، يا عباس لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيمًا، فقال ابن العباس: إنها النبوءة، قال: فنعم إذن.
ومن
أمثلة ذلك ما حدث حينما توجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة قبل صلح الحديبية. فقد أشار عليه عمر بن الخطاب وسعد بن عبادة بأن يأخذوا معهم كامل السلاح وكأنهم خارجون إلى الحرب، وكان من عادة الحاج أو المعتمر ألا يحمل معه إلَّا سلاح المسافر كما يقال، أي السيف في قرابه، أما من ذهب إلى الحرب فإنه يحمل سيفًا ورمحًا وقوسًا ودرعا ومغفرًا، أي أنه يتهيأ كامل التهيئة للحرب. وقالا يا رسول الله إننا لا نأمن جانب قريش، ولا نأمن شرهم ومكرهم ولو كانوا يعلمون أنك إنما جئت للعمرة لا للحرب، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم برأيهما، وأمر بإخراج كل ما في المدينة من سلاح وكراع، فخرجوا مسالمين ولكنهم مستعدون للحرب إذا فرضت عليهم ونحن نعتقد أن ذلك يدخل في باب «الردع» كوسيلة لإرهاب الطرف الآخر وحمله على عدم اللجوء إلى أعمال عدوانية.
(2)
دليل ذلك هو أنه لما بدأت مفاوضات الحديبية أرسلت قريش عروة بن مسعود كسفير لها إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليتفاوض معه، فإن عروة بعد أن انتهت مهمته وعاد إلى قريش قال لهم: «إن أردتم السيف بذلوه لكم، وإن أردتم الحرب فهم
(1) أطفيش تيسير التفسير، ج 16، ص 409 قاله في معرض تفسيره لسورة النصر). (2) راجع الشيخ بيوض في رحاب القرآن ذات المرجع، ج 19، ص 24.