أحكام القانون الدولي والعلاقات الدولية في الفقه الإباضي أحمد أبو الوفا [دارس عن الإباضية]

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٣٢٢

322

أحكام القانون الدولي والعلاقات الدولية في الفقه الإباضي

كثيرة على فداء الأسرى من الأعداء إما مقابل مال أو مقابل أسرى من المسلمين. وكانت أول حادثة فداء هي التي تمت بعد موقعة بدر (1)، والتي نزل فيها قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِي أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُشْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةُ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْلَا كِتَبُ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: 67 - 68] (2).

عمر

(1) حيث أُتي بسبعين أسيرًا، فاستشار فيهم، فقال الصديق: «قومك وأهلك لعلهم يتوبون وخذ منهم فدية تقوي بها أصحابك على العدو أي هم قومك، أو ارحم قومك، وقال ه: «اقتلهم فإنهم أيمة الكفر كذبوك وأخرجوك وقد أغناك الله عن فدائهم، ومكنّي من نسيبي فلان ومكن عليا من أخيه عقيل، وحمزة من أخيه العباس». وقال ابن رواحة: «أضرم عليهم نارًا في واد كثير الحطب»، فقال العباس: قطعت رحمك، وكره صلى الله عليه وسلم قوله، فدخل، فقيل: يأخذ بقول الصديق، وقيل: يأخذ بقول عمر، وقيل: بقول ابن رواحة، فخرج صلى الله عليه وسلم فقال: «إن الله ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن ويشد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم، قال: فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ [إبراهيم: 36] ومثل عيسى قال: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الحكيم﴾ [المائدة: 118] ومثلك يا عمر مثل نوح قال: {وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِينَ

دَيَّارًا} [نوح: 26] أو مثل موسى قال: ﴿أَطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [يونس: 88]. ودخل عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو وأبو بكر يبكيان، فقال: يا رسول الله أخبرني فإن وجدت بكاء بكيت وإلا تباكيت؟ فقال: «أبك على أصحابك في أخذهم الفداء، ولقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة» لشجرة قريبة وذكرهم بالعذاب لأنهم الراضون بالفداء الأمرون به حيث استشارهم، وعنه: «لو نزل عذاب ما نجا منه

وسعد

بن

معاذ

يعني

أنه

حضر وقال كعمر، أو قال: الإثخان أحب إليَّ، وروى

إِلَّا عمر

أنه

خيرهم

أن يأخذوا الفداء فيقتل منهم سبعون فاختاره وقتل منهم سبعون في أحد» أطفيش: تيسير التفسير، تفسير الآيات 67 - 71 من سورة الأنفال، ص 368 - 370. راجع أيضا، الشيخ بيوض: في رحاب القرآن، ج 19، ص 207 - 208، الشيخ محمد كعباش: نفحات الرحمن في رياض القرآن، ج 5، ص 382 - 385. (2) بخصوص نسخ القرآن بالقرآن يمثل الفقه له بقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِي أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُنخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: 67] حيث عاتب الله نبيه على أخذ الفداء عن أسرى بدر، ثم نزل:

حَتَّى إِذَا أَخَنَتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنَّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} [محمد: 4] فكانت هذه الآية ناسخة للأولى.