الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣٣٣الباب الحادي عشر: الجهاد (الحرب) في الفقه الإباضي
333
إلا أن اتجاها آخر في الفقه الإباضي تبناه أبو محمد ذهب إلى أنه يجوز للإمام الهرب عن العدو وبعد أن يباشر الحرب إذا خاف القتل على أصحابه ورأى القتل شارعًا فيهم ويأتي عليه حتى يفنوا ويقلوا قال: ولا يقيم بأصحابه على القتل والحياة لهم أنفع للمسلمين وأرجى لبقاء الدولة.
واستند لتدعيم رأيه على حجتين (1)
إحداهما - الاقتداء بفعل رسول الله في هر به إلى الغار وتواريه عن عدوه عند طلبهم إياه، وارتفاعه بأصحابه إلى جبل أحد، وتحصنه بالخندق، وكل ذلك انتظارًا منه للقوة على عدوه ووجود الناصر والتعمل في الحيلة وطلب المكيدة عليه إلى أن وجد السبيل إلى ذلك.
ولا يوافق اتجاه كبير في الفقه الإباضي على هذا القول لأبي محمد (2).
(1) ابن جعفر: الجامع المرجع السابق، ج 2، ص 489 - 490؛ جوابات الإمام السالمي، ج 2، ص 413؛ النزوي: المصنف، ج 11،، ص 147؛ الإمام أبو إسحاق إبراهيم الحضرمي:
كتاب الدلائل والحجج، المرجع السابق، ج 1 - 2، ص 606، 611 - 615. (2) رد الإمام السالمي على الحجتين السالف ذكرهما، بقوله: «فأما الجواب عن الاحتجاج الأول فهو أن جميع ما ذكره من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم خارج عن محل النزاع فإن كلامنا في تحريم الفرار من الزحف والهروب عن العدو بعد لقائه، وخروجه إلى الغار وارتفاعه بأصحابه إلى الجبل يوم أحد وتواريه عن المشركين كل ذلك كان في غير موضع القتال. وأيضًا فإنه لم يهرب عن عدو قط بل ثبت حين انكشف المسلمون يوم أحد ويوم حنين وارتفع إلى الجبل بعد انحياز كل فريق إلى جهة فلا يصح أن يطلق لفظ الهروب من العدو على رسول الله صلى الله عليه وسلم ....
ويضيف السالمي:
أنه
«وأما الجواب عن الاحتجاج الثاني فمن وجوه. أحدها ـ أنا لا نسلم أن من بذل نفسه الله تعالى وقاتل في سبيله حتى قتل طلبًا لمرضاة الله قاتل لنفسه ولا أنه ملق بأيديه إلى التهلكة، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِن الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَاهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةُ يُقَتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ [التوبة: 111].