الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٤٠140
أحكام القانون الدولي والعلاقات الدولية في الفقه الإباضي
«إن قيل: كيف يجوز نقض العهد مع خوف الخيانة، والخوف ظن لا يقين معه، فكيف يسقط يقين العهد بظن الخيانة ـ فعنه جوابان: أحدهما: أن الخوف ها هنا بمعنى اليقين، كما يأتي الرجاء بمعنى العلم،
كقوله: لَا نَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا} [نوح: 13].
الثاني: أنه إذا ظهرت آثار الخيانة وثبتت دلائلها وجب نبذ العهد، لئلا يوقع التمادي عليه في الهلكة، وجاز إسقاط اليقينها هنا بالظن للضرورة، وإذا كان العهد قد وقع فهذا الشرط عادة وإن لم يصرح به لفظًا، إذ لا يمكن أكثر من هذا. ومعنى قوله تعالى
فَأَنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ، أي على مهل -:قاله الوليد بن مسلم. وقيل: على عدل معناه بالتقدم إليهم والإنذار لهم وهكذا يجب للإمام أن يفعل اليوم في كلا وجهي العقد أولا، والنبذ على السواء ثانيا).
وهكذا فإن قوله تعالى: {فَأَنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ)
يعني أن تكون كل
(1) ابن العربي: أحكام القرآن المرجع السابق، ج 2، ص 860 - 861. ولذلك يقول الأزهري: «إذا كان بينك وبين قوم من المشركين مهادنة وعهد إلى مدة، فخفت خيانتهم ـ أي نقضهم العهد ـ فلا تسبقهم أنت إلى مثل ما أرادوا من الغدر، ولكنك تنبذ إليهم عهدهم أن لا عهد بينك وبينهم، فإذا استويتم في علم نقض العهد فحينئذ إن أردت فعلته» (أبو منصور الأزهري: الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي، ص 398،
وتعلمهم
الإيقاع بهم وكذلك الفراء: معاني القرآن، ج 1، ص 414). ويقول الزركشي إن الآية:
«هي من الآيات المعبرات عن المعنى بألفاظ قليلة وموجزة. ولذلك أنه إذا أراد المترجم أن ينقلها إلى لغة أعجمية لم يستطع أن يأتي بهذه الألفاظ مؤدية عن المعنى الذي أودعته حتى يبسط مجموعها، ويصل مقطوعها، ويظهر مستورها حتى يقول: إن كان بينك وبين قوم هدنة أو عهد فخفت منهم خيانة ونقصًا فأعلمهم أنك قد نقضت ما شرطته لهم، وآذانهم بالحرب؛ لتكون أنت وهم في العلم بالنقض على سواء (راجع الزركشي: البرهان علوم القرآن)، ج 1، عيسى البابي الحلبي، القاهرة، الطبعة الثانية، ص 465 - 466».
في