الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٧٣=
الباب الثاني: أشخاص القانون الدولي في الفقه الإباضي (الدولة)
173
من تقسيم العالم إلى دارين أساسيين: دار الإسلام ودار الحرب هو تقسيم واقعي، يتمثل الغرض الأساسي الأساسي منه فقط في بيان «الحدود الفاصلة» ما بين هو إسلامي وما هو غير إسلامي. وبالتالي فإن ذلك ليس له علاقة، في نظرنا، بأفكار أخرى كحتمية الجهاد لإجبار دار الحرب على التحول إلى دار
إسلام، أو إجبار العالم كله على اعتناق العقيدة الإسلامية … إلخ.
فهذه كلها تعد أثرًا يترتب عليها، ولا تعد من أصول أو جذور تقسيم العالم إلى دار الإسلام ودار الحرب).
(1) يذهب رأي إلى القول:
«وقد عمد كثير من المفكرين في هذا العصر إلى إنكار التفرقة بين دار الحرب ودار الإسلام والقول بأنها ليست حكمًا أصيلا في الإسلام، وأنها من ابتداع الفقه.
وأقاموا رأيهم هذا على أن الإسلام دين سلام وأن الحرب هي حالة استثنائية بمقدارها ولا يترتب عليها حكمًا دائمًا بإنشاء حالة حرب دائمة بين الفريقين. واستشهدوا في ذلك بآيات كقوله تعالى: (وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَما [الأنفال (61)، وقوله أيضا: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: 94] وغير ذلك من الآيات الدالة على المسالمة بين المسلمين وغيرهم. «والواضح لنا أن التفرقة بين دار الحرب ودار الإسلام هي تفرقة أصيلة. وإنه ـ وإن لم يجر بها الاصطلاح في عهده - إلا أن مدلول هذه الأحكام كان مطبقًا بلا شك في أيامه وأن الأحكام التشريعية المختصة بكل من الدارين والتي قننها الفقه مستمدة من أصول الإسلام وليست ابتداعًا. ولا يغير من ذلك أن كلمتي دار إسلام» و «دار حرب» لم تستعملا كمصطلح، فالعبرة بالجوهر والمعاني وليس بالألفاظ والمباني. فما دامت مجموعة الأحكام التي طبقها الفقه بعد ذلك على الوحدة التي سماها باسم دار الإسلام، والأخرى التي سماها باسم دار الحرب كانت موجودة فعلا في عهده، واستمد الفقه منها تقنينه لما أطلق عليه كل من الإسمين، فلا دلالة إذن للقول بأن هذه التسمية طارئة مستحدثة، ولا سند للقول بعدم شرعية تقسيم العالم إلى دار إسلام ودار حرب. وأما القول بأن هذا التقسيم يتنافى مع ما تقوم عليه أحكام الإسلام من السلام، فإن الواقع هو أن هذا الحكم لازم
لإقرار السلام على أسسه الحقيقية التي لا تتأتى إلا بالسيادة الشاملة للإسلام في العالم. إذ
ما دام هناك اختلاف الأهداف والمطامع فالسلام الذي يقتضيه الإسلام هو السلام في ظل