الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٧٩الباب الثالث: حقوق الإنسان في الفقه الإباضي
279
وَنُرِيدُ أَن نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَبِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} [القصص: 5]. ويقول أيضا إن بعث الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم كان من أجل أن:
وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف: 157].
بل إن أول خليفة في الإسلام (أبو بكر الصديق) أوصى عند موته: «هذا ما أوصى به أبو بكر بن أبي قحافة عند آخر عهده من الدنيا، وأول عهده بالآخرة، أنه قال استخلف عليكم عمر بن الخطاب، فإن بر وعدل فذاك ظني ورجائي فيه، وإن غيَّر وبدل فلا علم لي بالغيب والخير أردت،
ولكل امرئ ما اكتسب، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون»). ولا جرم أن انتهاك حقوق الناس هو نوع من الظلم، وتبدو خطورة الظلم واضحة جلية في أنه كفيل بزوال المجتمع كله، يقول تعالى: ﴿وَكَأَيْن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةُ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَى الْمَصِيرُ﴾ [الحج: 48]، وأيضًا:
وَإِذَا أَرَدْنَا أَن تُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَرْنَهَا تَدْمِيرا [الإسراء: 16]، وأيضًا: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) [هود: 117]، وأيضا: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةَ بِمَا ظَلَمُوا﴾ [النمل: 52]، ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 45]، ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَةً﴾ [الأنفال: 25].
حاصل ما تقدم أن احترام حقوق الإنسان وحرياته الأساسية هي من المسائل التي يؤدي احترامها إلى وجود مجتمع ينعم بالاستقرار والسلام بينما انتهاكها يمكن أن يترتب عليه، زواله، يقول أبو يوسف
(1) راجع ابن دقماق «الجوهر الثمين في سير الخلفاء والملوك والسلاطين»، تحقيق د. سعيد عاشور، جامعة أم القرى مكة المكرمة، ص 30 - 31.