الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٥٠=
350
أحكام القانون الدولي والعلاقات الدولية في الفقه الإباضي
وفي التاريخ الإسلامي أيضًا أمثلة أخرى كثيرة يتشدد فيها القاضي ولا يتزحزح عن الحق قيد أنملة ولو تدخل الخليفة).
زكرياء بن الأمير وأخذوا ابنتي من بين يدي، فقلت لابني: قم فاتبعهم، فقال: أخاف إن أردت ذلك أن يقتلوني وإن لم يقتلوني خفت أن يدسوا علي عاملًا من عمالهم أو لصا من لصوصهم فيقتلوني، قال: فسقط القاضي كالمغشي عليه، ثم أفاق، فقال لي: يا سليمان قم؟ ثم قام، فقال لي: خذ سراجك ولا يشعر بك أحد وتقلد سيفا وأعطني عصاي، ففعلت، ثم قال: اخرجي أيتها المرأة فخرجنا، ثم قال: إلى أين تظنين يقصد بابنتك؟ فقالت: إلى دار الزكاة، قال: فسار وسرت معه والجارية معنا حتى أتينا قرب الدار، فقال لي: يا سليمان غيب السراج لئلا يشعر بنا أحد، قال: فسترته، فقال لي: دق الباب دقا لطيفًا، فإذا فتح الباب فأظهر السراج، فلما رأى صاحب الدار وأهل الدار القاضي ارتاعوا ارتياعا شديدًا، وقالوا فما بال القاضي أعزه الله، وما جاء به؟ فقال لي: يا سليمان اصعد إلى أعلى الدار واحذر أن ينزل أحد من جوانب الدار، ففعلت، قال: ثم أقبل يتخلل بيوت الدار بيتًا بيتًا وموضعا موضعًا فلم ير شيئًا، ثم صعد أعلى الدار والمرأة معه فلم يجد شيئًا، قال: ثم عطف على صاحب الدار، فقال له هل رأيت زكرياء ابن الأمير أو كان معك اليوم؟ فقال: نعم، كان اليوم عندي فلما كان الليل أتى بفرس فركبه، قال: هل تعرف له موضعًا؟ قال: لا والله أصلح الله القاضي، فسقط في يده ثم لم يصبر إِلَّا أَن وصلها إلى دارها، ثم انصرفنا إلى دارنا، فما نام تلك الليلة طلع الفجر، فغدا
بخاتمه وقمطره وألقاه إلى صاحبه.
راجع ابن الصغير، ذات المرجع السابق، ص 90 - 91.
(1) نكتفي هنا بذكر مثالين. فقد كتب مروان إلى أسيد بن حضير الأنصاري وكان عاملا على اليمامة بأن معاوية كتب إليه أن الرجل الذي تسرق منه سرقة فهو أحق بها حيث وجدها فكتب أسيد إلى مروان: إن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بأنه إذا كان الذي ابتاعها من الذي سرقها غير متهم يخير سيدها فإن شاء أخذ الذي سرق منه بثمنه وإن شاء اتبع سارقه ثم قضى بذلك أبو بكر وعمر وعثمان. فبعث مروان بكتاب أسيد إلى معاوية، فكتب معاوية إلى مروان: إنك لست أنت ولا أسيد تقضيان عليَّ ولكني أقضي فيما وليت عليكما فأنفذ ما أمرتك به. فبعث مروان بكتاب معاوية إلى أسيد فقال: لا أقضي ما وليت بما قال معاوية. (رواه النسائي في البيوع ويعلق رأي على ذلك بقوله: «ومن تأمل هذه القصة يعلم مبدأ الاستبداد في أمر الأمة وتغير ما كانت عليه الحال من أمر الشورى وإن كانت جلالة أسيد