الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٦٢362
أحكام القانون الدولي والعلاقات الدولية في الفقه الإباضي
وقد تعرض الفقه الإباضي للحق في اللجوء أو طلب الجوار) من نواحي
كثيرة، هي:
(1) يعتبر الشيخ بيوض خير من كتب عن هذه المسألة في الفقه الإباضي، إذ تعليقا على ما حدث حينما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان الله إلى قريش أثناء مفاوضات صلح الحديبية، وحينما وصل إليهم حاول البعض منهم الفتك به، ولكن أبان بن سعيد بن العاص بن أمية أجاره، وقال يا معشر قريش لقد أجرت عثمان فكفوا عنه، يقول: الجوار قانون معروف ويُمضى عليها، وإنَّما تحفظ في الأذهان، ينقلها الخلف عن السَّلف، فترعاها الأمة ولا تخالفها.
«فهذه الأعراف لا يعتمد فيها على الكتابة، وإنَّما هي قوانين متوارثة محفوظة عمليا يتلقاها الخلف عن السلف، ولها قوة القانون عند الدول المتحضرة، كذلك كان الجوار عند العرب، فلأي شخص عندهم أن يقول: قد أجرت فلانًا، يعني دخل في جواري وحمايتي، فلا يجرؤ أحد أن يمشه بسوء. وقد استعمل القرآن الكريم كلمة الجوار في آيات منها قوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُجيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ … ﴾ [المؤمنون: 88]، فالله تعالى يجير، يحفظ ويمنع من يشاء، ولا يجار عليه أي إذا أراد أحدًا بسوء، فلن يستطيع الخلق كلهم منفردين أو مجتمعين أن ينقذوه من بين يديه».
ويضيف أيضًا:
«قد يراد بالجوار المعنى المتعارف والمعهود به عند الناس جميعًا، أي الساكن بجانب أحد، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «والجار أحقُّ بصقبه (البخاري، حديث رقم 6576)، وقال: «أربعون دارا جار عن اليمين والشمال. وهذا جوار السكنى وله حقوق في الشريعة الإسلامية
معلومة.
كما قد يراد بالجوار الحماية، فقد يأتي إنسان أجنبي إلى قبيلة من القبائل، فيجيره أحد أفرادها، فيبقى مجارًا ممنوعًا، لا يستطيع أحد أن يمسه بسوء، وهذا ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم نفسه لما قبل جوار ابنته زينب لزوجها أبي العاصي بن الربيع، وهو مشرك، وذلك عندما عاد بقافلته من الشام فاعترضه الصحابة، فأخذوا قافلته وحاولوا أسره، ولكنه نجا منهم، وذهب إلى زوجته بالمدينة ليلا، ولما أصبح نادت زينب في صلاة الصبح من صفة النساء: «لقد أجرت أبا العاصي»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة أسمعتم ما سمعت؟ قالوا: سمعنا، فقال: لا علم لي بشيء، فأقر جوار زينب، إلا أنه قال لها: لا يقربك لأنه مشرك،
ثم بعد ذلك أسلم وردَّ إليه النبي صلى الله عليه وسلم زوجته، قيل: بالنكاح الأول، وقيل: بنكاح جديد. الجوار إذن مقدس عند العرب؛ ولذلك لما نادى أبان بن سعيد بن العاص يا معشر قريش قد أجرت عثمان بن عفان كفوا عنه، فصار آمنا لا يخاف على نفسه شيئًا، إذ أصبح