الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٨٧=
387
الباب الثالث: حقوق الإنسان في الفقه الإباضي
وقد ذهب الحنفية إلى أنه لا يقتص من داخل الحرم، ولكن يلجأ إلى الخروج بعدم إطعامه وسقياه ومعاملته، حتى إذا خرج اقتص منه، وذلك لعموم قوله تعالى: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ عَامِنَا … [آل عمران: 97]، بينما ذهب الجمهور ومنهم الشافعي ومالك إلى أن من وجب عليه حد في النفس، ثم لجأ إلى الحرم فإنه يُقتص منه، وقاسوه على من جنى في داخل الحرم لأنه لو قتل أو أتى حدًا في الحرم أقيم عليه فيه).
وثار خلاف حول معرفة ما إذا كان دخول الحربي الحرم لا يمنع من إعطاء المسلم له الأمان؟ فذهب أبو حنيفة إلى أنه لو أمنه رجل من المسلمين في الحرم أو بعد ما خرج من الحرم قبل أن يؤخذ منه لم يصح، بينما يذهب أبو يوسف ومحمد إلى أنه يصح ويرد إلى مأمنه (3).
ونرى أنه إذا كان اللاجئ يحضر أساسًا فرارًا من الاضطهاد الواقع عليه، فإنه يستفيد من الأمن الذي يضفيه عليه حرم الله الآمن (4).
(1) تفسير القرطبي، ج 4، ص 140، تفسير الطبري، ج 7، ص 29 - 34؛ وأيضًا مصطفى الخن: أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء، رسالة دكتوراه، كلية الشريعة والقانون، جامعة الأزهر، القاهرة، ص 165 - 166. ويقول القرطبي: إن أبا حنيفة بقوله يضيق عليه حتى يخرج أو يموت، معناه أننا نقتله بالسيف، وهو يقتله بالجوع، فأي قتل أشد من هذا القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، ج 2، ص 111).
(2) ابن قدامة، المغني، ج 10، ص 236 - 238؛ الأم للشافعي، ج 4، ص 201 - 202. (3) الكاساني، بدائع الصنائع المرجع السابق، ج 7، ص 117. (4) يؤيد ذلك ما رواه القاضي ابن العربي، بقوله: حضرت في بيت المقدس طهره الله بمدرسة أبي عقبة الحنفي والقاضي الريحاني يُلقي علينا الدرس في يوم جمعة، فبينما نحن كذلك إذ دخل علينا رجل بهي المنظر على ظهره أطمار، فسلم سلام العلماء، وتصدر في صدر المجلس بمدارع الرعاء، فقال له الريحاني: من السيد؟ فقال له: رجل سلبه الشطار أمس، وكان مقصدي هذا الحرم المقدس، وأنا رجل من أهل صاغان من طلبة العلم. فقال القاضي مبادرا: سلوه على العادة في إكرام العلماء بمبادرة سؤالهم. ووقعت القرعة على مسألة الكافر إذا التجأ إلى الحرم، هل يقتل فيه أم لا؟ فأفتى بأنه لا يقتل، فسئل عن