الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٢٧الباب الخامس: مبادئ العلاقات الدولية في الفقه الإباضي
127
ولعل خير من عبر عن كل ذلك، ابن طلحة بقوله: «إذ كم من ملك تختلف لديه عظائم الأمور، ويتعارض بين يديه أسباب الحزن والسرور، ويرد عليه رسل ملوك الأطراف بمختار ومحذور، فيحتاج في ذلك إلى رد وقبول، وعلو ونزول، وإشراق وأفول، وإسعاف بمأمول، واتصال لمقطوع وقطع لموصول، بحسب ما تقتضيه مصلحة المملكة التي لا يجوز عنها صدوف ولا عدول» (1). كذلك شبه الإمام الشيباني إمكانية عقد الهدنة أو الموادعة عند ضعف المسلمين، وعدم عقدها عند قوتهم، تشبيها حسيًا بليغا، بقوله: «ألا ترى أن الصغير يمص اللبن ما لم تنبت أسنانه، ثم يمضغ اللحم بعد نبات الأسنان، فبهذا يتبين أن النظر في الموادعة عند ضعف حال المسلمين، وفي الامتناع منها والاشتغال بالقتال عند قوة المسلمين» (2).
وهكذا، فإن الظاهرة الملحوظة في الإسلام هي: «تعدد أدوات أو وسائل التعاون الدولي»، إذ لم يحصر الإسلام ذلك في أداة أو أدوات معينة للتعامل، بل عدد من هذه الأدوات: فلم ينظر الإسلام إلى أدوات التعامل الدولي على أنها إما حرب أو سلام، وإنما وضع لكل ظرف ما يناسبه من الأمور وفقا للظروف المحيطة والعوامل المؤثرة في كل حالة.
ولعل ذلك ما قصده الإمام ابن عبد السلام حينما قرر أنه إذا اجتمعت المصالح فإن أمكن تحصيلها حصلناها، وإن تعذر تحصيلها حصلنا الأصلح فالأصلح والأفضل فالأفضل (3). ويضرب لذلك أمثلة عديدة من بينها:
1720
(1) ابن طلحة العقد الفريد للملك السعيد، القاهرة، 1311 هـ، ص 5. (2) شرح كتاب السير الكبير للشيباني، ط جامعة الدول العربية، ج 5، ص (3) ويستند في ذلك إلى قوله تعالى: {فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ [الزمر: 17 - 18]، وقوله: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم﴾ [الزمر: 55]، وقوله: {وَأْمُرْ قَوْمَكَ
يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا} [الأعراف: 145].