الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٣٩الباب الخامس: مبادئ العلاقات الدولية في الفقه الإباضي
139
ولم تغفل الشريعة الإسلامية هذا المبدأ الهام في الحياة الدولية المعاصرة. يقول: يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَهَا فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَدِمِينَ} [الحجرات: 6].
وسبب نزول هذه الآية ما رواه سعيد عن قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق لجباية الصدقة، فلما أبصروه أقبلوا نحوه فهابهم، فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره أنهم قد ارتدوا عن الإسلام، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد، وأمره أن يثبت ولا يعجل، فانطلق خالد حتى ليلًا، فبعث عيونه، فلما جاؤوا أخبروا خالدًا أنهم متمسكون بالإسلام، وسمعوا أذانهم وصلاتهم، فلما أصبحوا أتاهم خالد ورأى ما ذكروه، فعاد إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره فنزلت الآية).
أتاهم
ومن ذلك أيضًا قوله تعالى:
يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا نَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ مَغَائِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [النساء: 94].
وقد حدث أيضا تطبيق عملي لمبدأ التثبت في إطار العلاقات الدولية في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم. ذلك أنه حينما بلغ الرسول صلى الله عليه وسلم نقض بني كعب للعهد، فقد بعث سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وآخرين، وقال لهم: «انطلقوا حتى تنظروا، أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا؟ فإن كان حقا فألحنوا لي لحنًا أعرفه، ولا تفتُوا في أعضاد الناس، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم
فاجهروا به للناس».
(1) راجع السيرة النبوية لابن هشام ط البابي الحلبي، القاهرة، 1375 هـ. هـ ـ 1955 م، ج 2، ص 296.