أحكام القانون الدولي والعلاقات الدولية في الفقه الإباضي أحمد أبو الوفا [دارس عن الإباضية]

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ١٥٦

156

أحكام القانون الدولي والعلاقات الدولية في الفقه الإباضي

وأخذ الحذر كما يكون من الأعداء (الحذر الخارجي) يكون أيضًا من الداخل (الحذر الداخلي). وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا النوع الأخير في قوله تعالى بتأكيده على ضرورة الحذر من البطانة التي قد يتخذها المسلمون، وضرورة الابتعاد عنهم إذا توافرت فيهم صفات أربع (أو حتى واحدة منها)، وذلك في قوله الله:

يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالَا وَدُّوا مَا عَنتُمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَر قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ} [آل عمران: 118].

=

ومن الأمثلة الشهيرة للحذر في تاريخ الإباضية القصة الخاصة بمنارة الإسكندرية (1).

الوسائل المتطورة وفق مقتضيات الزمان والمكان. وهي مثل قوله تعالى في سورة الأنفال: وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ (عمومًا، ثم أضاف: ﴿وَمِن رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: 60]. فالاستعداد المأمور به هناك، وأخذ الحذر المأمور به هنا تختلف وسائلهما باختلاف حال العدو وقوته.

وهكذا يتبين من خلال هذه الآيات وأمثالها: «واقعية الإسلام في أمره لأتباعه أن يأخذوا بكل الوسائل ويتخذوا كل الأسباب الممكنة لحماية عقيدتهم ودينهم، لأن الأعداء وإن تظاهروا بالسلم أو طلبوا الصلح فهم لا ينامون عن ثأر ولا يفلتون الفرص في المكر

والكيد» (الشيخ محمد كعباش نفحات الرحمن في رياض القرآن، ج 3، ص 228). (1) إذ حينما بنى إبراهيم بن الأغلب القصور التي على الساحل أمر أهل الإسكندرية، إذا نظروا في مرآة المنارة ورأوا قلاع العدو أن ينيروا فيبصر نارهم من كان قريبا منهم من القصور، فينيروا هم أيضًا. فكل من رأى من أهل القصور نار القصر الذي يليه فينيروا هم أيضًا، فتتصل نيرانهم حتى تبلغ في ليلة واحدة إلى سبتة، فيحذر الموحدون الروم. فكانت الروم بعد ذلك دهرًا طويلًا لا يظفرون بالموحدين في شيء، من سواحلهم، ورجع الموحدون يغزونهم إلى أرضهم واغتم لذلك ملك الروم، فجمع أهل مملكته فاستشارهم في الحيلة، فوثب رجل يهودي، فيما بلغنا، فقال: أيها الملك إن أنت أذنت لي (بالدخول) إلى بيت الأموال، آخذ منها حاجتي، أكفيك المؤونة إن شاء الله.