الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٧٤174
أحكام القانون الدولي والعلاقات الدولية في الفقه الإباضي
ذلك وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ، ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ
الله لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} [الحج: 60).
والإسلام لا يسير بالمعاملة بالمثل إلى أقصى مدى لها، وإنما هناك حدود وضوابط لا يجوز تعديها في حدود القواعد والمبادئ الإسلامية واجبة التطبيق). ومن تطبيقات مبدأ المعاملة بالمثل ما حدث حينما تعرض المغيرة بن
شعبة لمضايقات حينما ذهب سفيرًا إلى ملك الفرس فقال:
(إنا لا نفعل هذا برسلكم، فإن كنتم عجزتم فلا تؤاخذوني، فإن الرسل لا يفعل بها هذا. قال: فكفوا عني)).
كذلك لما بلغ النبي أن عثمان بن عفان قد قتل ـ وكان قد بعثه في رسالة إلى المشركين - بايع أصحابه وكانوا ألفًا وأربعمائة) تحت الشجرة على قتال المشركين (رغم أن ذلك كان أثناء أحد الأشهر الحرام). فلما علم أن عثمان لم يقتل كف عن ذلك. وجنح إلى المسالمة والمصالحة.
(1) في هذا المعنى يقول الشيخ أبو زهرة: «والعدالة توجب على المسلمين أن يعاملوا غيرهم بمثل ما يعاملهم به غيرهم وهذا ما يسمى في العرف الدولي المعاملة بالمثل. ولكن الإسلام يسير في المعاملة بالمثل إلى أقصى مدى … لأنه مقيَّد بالفضيلة والأخلاق السامية. فإذا كان المخالف من الدول ينتهك حرمة الفضيلة لا ينتهكها المسلمون ولو كان ذلك في حالة حرب، فإذا كان العدو يستبيح قتل الذرية والضعاف من الرجال والنساء الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا. وإذا كان يقطع الأشجار من غير فائدة أو كان يستبيح دماء الشعوب وتجريمها وضرب الآمنين في مأمنهم فإن الإسلام لا يستبيح ذلك. لأن المعاملة الإسلامية مقيدة بالفضيلة والانطلاق من قيودها عند غيره لا يبيح للفاضل أن ينطلق هو أيضا من قيودها. ولا. أعمالنا الحدود. فالمعاملة بالمثل قيد للمسلم فوق الفضيلة وقيوده أشد وأوثق من قيود غيره، كما الشأن هو المعاملة في بين الفاضل والمفضول» (الشيخ محمد أبو زهرة،
المجتمع الإسلامي في ظل الإسلام، ص 410 - 411).
يصح
أن نتجاوز
(2) انظر كتاب الخراج لأبي يوسف المطبعة السلفية، القاهرة، 1352 هـ، ص 32 - 33.