أحكام القانون الدولي والعلاقات الدولية في الفقه الإباضي أحمد أبو الوفا [دارس عن الإباضية]

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٢٦٨

268

أحكام القانون الدولي والعلاقات الدولية في الفقه الإباضي

د - ضرورة التأكد من إنجاز الرسول لمهمته:

يعد ذلك من الأمور الداخلة في مبدأ التثبت الذي أكده الفقه الإباضي كأحد المبادئ واجبة المراعاة في العلاقات الدولية. وقد كان سبب نزول قوله تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقُ بِنَا فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَدِمِينَ﴾ [الحجرات: 6]، قال الحارث بن أبي ضرار الخزاعي: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاني إلى الإسلام فأسلمت، وإلى الزكاة فأقررت بها، وقلت: أدعوا إليها قومي، فمن استجاب جمعت زكاته، فأرسل إليَّ وقت كذا من يأتيك بها، ففعلت وانتظرت رسوله ولم يأت، فقلت لرؤساء قومي: لم يأتني الرسول و نبي الله لا يخلف الوعد، وأخاف أن الله تعالى سخط علينا، فسرنا إلى رسول الله بركاتنا، وقد بعث صلى الله عليه وسلم الوليد بن عقبة بن أبي معيط أخا عثمان لأمه ليقبضها عنا، ولما بلغ بعض الطريق خاف فرجع، فقال الرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنَّ الحارث منعني الزكاة، وأراد قتلي فأرسل إلينا من يقاتلنا، فالتقينا معهم خارج المدينة، فقلنا: إلى من؟ قالوا: إليك إذْ منعت الزكاة وأردت قتل الرسول إليك، فقلنا: لا والله، فدخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «منعتم الزكاة وأردتم قتل رسولي؟ قلنا: لا والله ما رأيناه، وقد خفت سخط الله تعالى إذ لم يأتني رسولك، فنزل: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ

قلنا: إنما وجب ذلك لقرينة لا لنفس الأمر، فأما القرينة في الأول، فقوله تعالى: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ الله﴾ [النساء: 180، يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلَغَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} [المائدة: 67]. ونحوهما من الآيات، وأما القرينة في الثاني فهو أنَّ عادة الملوك جرتْ في ما بينهم بجعل الواسطة بينهم وبين الرعايا في أوامرهم؛ ولذا يُعاقبون على تَرْكِ أمر واسطتهم، ويُحسنون إلى من تَبعَ أمرها، فعُلِمَ من هذه العادة أن تلك الواسطة مبلغ لأمر السلطان، فالمأمور ابتداء هم الرعية لا الواسطة، والواسطة في تبليغ الأمر كأدلة للشيء، وكالكتاب المترجم ما بين المتكاتبين حاصل المقام: أنا لا نمنع من أن يكون الأمر بالأمر بالشيء أمرًا بذلك الشيء إذا دلَّت القرينة على ذلك، وإنما نمنع ذلك عند عدم القرائن لما تقدم من الأدلة، والله أعلم» ذات المرجع، ص 157.