الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٦١الباب التاسع: المنازعات الدولية وطرق حلها سلميا في
الفقه الإباضي
1 ?
من هذه الحادثة يتضح أمورًا عدة، منها:
أولا: أن المسلمين الأوائل عرفوا الوساطة أو المساعي الحميدة كوسيلة سلمية لحل النزاع الدولي، ولتجنب نشوب القتال أو اللجوء إلى الحرب. ثانيا: أن من يقوم بالمساعي الحميدة أو الوساطة التي تؤدي إلى إنجاح مهمته يجب أن يتوافر فيه خصائص معينة، أهمها:
•
أن يكون مقبولا من الطرفين، فقد كان مجدي بن عمرو «حليفًا
للفريقين».
أن يقدم آرائه وحلوله إلى الطرفين ويحاول التقريب بينهما. ويتضح ذلك من قول الواقدي: فلم يزل يمشى إلى هؤلاء وهؤلاء حتى انصرف
القوم».
أن يكون عادلا، فقد أخبر حمزة أنهم رأوا من مجدي بن عمرو نصفة لهم. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم إن الوسيط (مجدي) كان مبارك الأمر أو رشيد الأمر. ثالثًا: أن على المسلمين، متى ارتضوا نتيجة الوساطة أو المساعي الحميدة، الالتزام بها وعدم الخروج عليها إذ الوفاء بالعهد من أهم القواعد العليا في الشريعة الإسلامية. ولعل ذلك يبدو من ذهاب كل من الفريقين إلى الوجهة التي كان هو موليها المسلمون إلى المدينة وأبو جهل وجماعته إلى مكة، دون قتال.
رابعا: أن نجاح الوسيط أو من يتدخل بمساعيه الحميدة في الوصول إلى حل عادل، لا يمنع من مجازاته الجزاء الأوفى. ولذلك حينما جاء رهط مجدي إلى النبي كساهم وصنع إليهم خيرًا». ويلاحظ أن ذلك لا يشكل التزاما يجب القيام به دائما، وإنما هو أمر راجع للسلطة التقديرية لحكام الدولة الإسلامية.